فهرس الكتاب

الصفحة 2828 من 8321

اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: { قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } فقال: { قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله } أي أنعبد من دون الله النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا ، ونرد على أعقابنا راجعين إلى الشرك بعد أن أنقدنا الله منه وهدانا للإسلام؟ ويقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل أنه رجع إلى خلف ، ورجع على عقبيه ورجع القهقرى ، والسبب فيه أن الأصل في الإنسان هو الجهل ، ثم إذا ترقى وتكامل حصل له العلم . قال تعالى: { والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة } [ النحل: 78 ] فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة ، فلهذا السبب يقال: فلان رد على عقبيه .

وأما قوله: { كالذى استهوته الشياطين فِى الأرض } فاعلم أنه تعالى وصف هذا الإنسان بثلاثة أنواع من الصفات:

الصفة الأولى: قوله: { استهوته الشياطين } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ حمزة { استهواه } بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء ، لأن الجمع يصلح أن يذكر على معنى الجمع ، ويصلح أن يؤنث على معنى الجماعة .

المسألة الثانية: اختلفوا في اشتقاق { استهوته } على قولين:

القول الأول: أنه مشتق من الهوى في الأرض ، وهو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض ، فشبه الله تعالى حال هذا الضال به وهو قوله: { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السماء } [ الحج: 31 ] ولا شك أن حال هذا الإنسان عند هويه من المكان العالي إلى الوهدة العميقة المظلمة يكون في غاية الاضطراب والضعف والدهشة .

والقول الثاني: أنه مشتق من اتباع الهوى والميل ، فإن من كان كذلك فإنه ربما بلغ النهاية في الحيرة ، والقول الأول أولى ، لأنه أكمل في الدلالة على الدهشة والضعف .

الصفة الثانية: قوله: { حَيْرَانَ } قال الأصمعي: يقال حار يحار حيرة وحيرًا ، وزاد الفراء حيرانًا وحيرورة ، ومعنى الحيرة هي التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه . ومنه يقال: الماء يتحير في الغيم أي يتردد ، وتحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء . واعلم أن هذا المثل في غاية الحسن ، وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه ، لأن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ينزل على الاستدارة ، وذلك يوجب كمال التردد والتحير ، وأيضًا فعند نزوله لا يعرف أنه يسقط على موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو يقل ، فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثالًا للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا المثال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت