الصفة الثالثة: قوله تعالى: { لَهُ أصحاب يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى ائتنا } قالوا: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق Bه فإنه كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه كان يدعوه إلى الإيمان ويأمره بأن يرجع من طريق الجهالة إلى الهداية ومن ظلمة الكفر إلى نور الإيمان . وقيل: المراد أن لذلك الكافر الضال أصحابًا يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى وهذا بعيد . والقول الصحيح هو الأول .
ثم قال تعالى: { قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } يعني هو الهدى الكامل النافع الشريف كما إذا قلت علم زيد هو العلم وملك عمرو هو الملك كان معناه ما ذكرناه من تقرير أمر الكمال والشرف .
ثم قال تعالى: { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين } واعلم أن قوله: { إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } دخل فيه جميع أقسام المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات ، وتقرير الكلام أن كل ما تعلق أمر الله به ، فإما أن يكون من باب الأفعال ، وإما أن يكون من باب التروك .
أما القسم الأول: فإما أن يكون من باب أعمال القلوب وإما أن يكون من باب أفعال الجوارح ، ورئيس أعمال القلوب الإيمان بالله والإسلام له ، ورئيس أعمال الجوارح الصلاة ، وأما الذي يكون من باب التروك فهو التقوى وهو عبارة عن الاتقاء عن كل ما لا ينبغي ، والله سبحانه لما بين أولًا أن الهدى النافع هو هدى الله ، أردف ذلك الكلام الكلي بذكر أشرف أقسامه على الترتيب وهو الإسلام الذي هو رئيس الطاعات الروحانية ، والصلاة التي هي رئيسة الطاعات الجسمانية ، والتقوى التي هي رئيسة لباب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي ، ثم بين منافع هذه الأعمال فقال: { وَهُوَ الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } يعني أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر والبعث والقيامة .
فإن قيل: كيف حسن عطف قوله: { وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة } على قوله: { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين } ؟
قلنا: ذكر الزجاج فيه وجهين: الأول: أن يكون التقدير ، وأمرنا فقيل لنا أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة .
فإن قيل: هب أن المراد ما ذكرتم ، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللفظ الظاهر والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه إلا بالتأويل؟
قلنا: وذلك لأن الكافر ما دام يبقى على كفره ، كان كالغائب الأجنبي فلا جرم يخاطب بخطاب الغائبين ، فيقال له: { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين } وإذا أسلم وآمن ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر ، فلا جرم يخاطب بخطاب الحاضرين ، ويقال له: { وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه وَهُوَ الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان ، وتقريره أن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر . والله أعلم .