اعلم أن في كيفية النظم وجوهًا: الأول: ما ذكرناه أنه تعالى لما رغب في الجهاد أتبع ذلك بيان أحكام الجهاد . فالنوع الأول من أحكام الجهاد: تحذير المسلمين عن قتل المسلمين ، وبيان الحال في قتلهم على سبيل الخطأ كيف ، وعلى سبيل العمد كيف ، وعلى سبيل تأويل الخطأ كيف ، فلما ذكر ذلك الحكم أتبعه بحكم آخر وهو بيان فضل المجاهد على غيره وهو هذه الآية .
الوجه الثاني: لما عاتبهم الله تعالى على ما صدر منهم من قتل من تكلم بكلمة الشهادة ، فلعله يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد لئلا يقع بسببه في مثل هذا المحذور ، فلا جرم ذكر الله تعالى في عقيبه هذه الآية وبيّن فيها فضل المجاهد على غيره إزالة لهذه الشبهة .
الوجه الثالث: أنه تعالى لما عاتبهم على ما صدر منهم من قتل تكلم بالشهادة ذكر عقيبه فضيلة الجهاد ، كأنه قيل: من أتى بالجهاد فقد فاز بهذه الدرجة العظيمة عند الله تعالى ، فليحترز صاحبها من تلك الهفوة لئلا يخل منصبه العظيم في الدين بسبب هذه الهفوة ، والله أعلم وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرىء { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } بالحركات الثلاث في { غَيْرِ } فالرفع صفة لقوله: { القاعدون } والمعنى لا يستوي القاعدون المغايرون لأولي الضرر والمجاهدون ، ونظيره قوله: { أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة } [ النور: 31 ] وذكرنا جواز أن يكون { غَيْرِ } صفة المعرفة في قوله: { غَيْرِ المغضوب } [ الفاتحة: 7 ] قال الزجاج: ويجو أن يكون { غَيْرِ } رفعًا على جهة الاستثناء ، والمعنى لا يستوي القاعدون والمجهدون إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين ، أي الذين أقعدهم عن الجهاد الضرر ، والكلام في رفع المستثنى بعد النفي قد تقدم في قوله: { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } [ النساء: 66 ] و أما القراءة بالنصب ففيها وجهان . الأول: أن يكون استثناء القاعدين ، والمعنى لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر ، وهو اختيار الأخفش . الثاني: أن يكون نصبًا على الحال ، والمعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم ، والمجاهدون ، كما تقول: جاءني زيد غير مريض ، أي جاءني زيد صحيحًا ، وهذا قول الزجاج والفرّاء وكقوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى الصيد } [ المائدة: 1 ] وأما القراءة بالجر فعلى تقدير أن يجعل { غَيْرِ } صفة للمؤمنين ، فهذا بيان الوجوه في هذه القراءات .
ثم ههنا بحث آخر: وهو أن الأخفش قال: القراءة بالنصب على سبيل الاستثناء أولى لأن المقصود منه استثناء قوم لم يقدروا على الخروج . روي في التفسير أنه لما ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين جاء قوم من أولي الضرر فقالوا للنبي A: حالتنا كما ترى ، ونحن نشتهي الجهاد ، فهل لنا من طريق؟ فنزل { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } فاستثناهم الله تعالى من جملة القاعدين . وقال آخرون: القراءة بالرفع أولى لأن الأصل في كلمة { غَيْرِ } أن تكون صفة ، ثم أنها وإن كانت صفة فالمقصود والمطلوب من الإستثناء حاصل منها ، لأنها في كلتا الحالتين أخرجت أولي الضرر من تلك المفضولية ، وإذا كان هذا المقصود حاصلًا على كلا التقديرين وكان الأصل في كلمة { غَيْرِ } أن تكون صفة كانت القراءة بالرفع أولى .