فهرس الكتاب

الصفحة 7967 من 8321

فاعلم أنه تعالى لما تكمل بتيسير جميع مصالح الدنيا والآخرة أمر بدعوة الخلق إلى الحق ، لأن كمال حال الإنسان في أن يتخلق بأخلاق الله سبحانه تامًا وفوق التمام ، فلما صار محمد E تامًا بمقتضى قوله: { وَنُيَسّرُكَ لليسرى } [ الأعلى: 8 ] أمر بأن يجعل نفسه فوق التمام بمقتضى قوله: { فَذَكّرْ } لأن التذكير يقتضي تكميل الناقصين وهداية الجاهلين ، ومن كان كذلك كان فياضًا للكمال ، فكان تامًا وفوق التمام ، وههنا سؤالات:

السؤال الأول: أنه عليه السلام كان مبعوثًا إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله: { إِن نَّفَعَتِ الذكرى } ؟ الجواب: أن المعلق بأن على الشيء لا يلزم أن يكون عدمًا عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ومنها قوله: { وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } [ النور: 33 ] ومنها قوله: { واشكروا للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [ البقرة: 172 ] ومنها قوله: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ } [ النساء: 101 ] فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف ، ومنها قوله: { وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان } [ البقرة: 283 ] والرهن جائز مع الكتابة ، ومنها قوله: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله } [ البقرة: 230 ] والمراجعة جائزة بدون هذا الظن ، إذا عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد إحداها: أن من باشر فعلًا لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض ، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء ، فلذلك قال: { إِن نَّفَعَتِ الذكرى } وثانيها: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ، ونبه على الأخرى كقوله: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل: 81 ] والتقدير: { فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى } أو لم تنفع وثالثها: أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق: قد أوضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع به ورابعها: أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول A أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل: ادع فلانًا إن أجابك ، والمعنى وما أراه يجيبك وخامسها: أنه عليه السلام دعاهم إلى الله كثيرًا ، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر ، وكان عليه السلام يحترق حسرة على ذلك فقيل له: { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [ ق: 45 ] إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط .

السؤال الثاني: التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلًا بالعواقب ، أما علام الغيوم فكيف يليق به ذلك؟ الجواب: روي في الكتب أنه تعالى كان يقول لموسى: { فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه: 44 ] وأنا أشهد أنه لا يتذكر ولا يخشى . فأمر الدعوة والبعثة شيء وعلمه تعالى بالمغيبات وعواقب الأمور غير ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر .

السؤال الثالث: التذكير المأمور به هل مضبوط مثل أن يذكرهم عشرات مرات ، أو غير مضبوط ، وحينئذ كيف يكون الخروج عن عهدة التكليف؟ والجواب: أن الضابط فيه هو العرف ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت