اعلم أن هذا نوع آخر من جهالات المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون في رسول الله أنه أذن على وجه الطعن والذم ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية الأعمش وعبد الرحمن عن أبي عكرمة عنه { أُذُنُ خَيْرٍ } مرفوعين منونين ، على تقدير: إن كان كما تقولون إنه أذن . فأذن خير لكم يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ، والباقون { أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } بالإضافة ، أي هو أذن خير ، لا أذن شر ، وقرأ نافع { أَذِنَ } ساكنته الذال في كل القرآن ، والباقون بالضم وهما لغتان مثل عنق وظفر .
المسألة الثانية: قال ابن عباس Bه: أن جماعة من المنافقين ، ذكروا النبي A بما لا ينبغي من القول فقال بعضهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما نقول ، فقال الجلاس بن سويد: بل نقول ما شئنا ، ثم نذهب إليه ونحلف أنا ما قلنا ، فيقبل قولنا ، وإنما محمد أذن سامعة ، فنزلت هذه الآية . وقال الحسن: كان المنافقون يقولون ما هذا الرجل إلا أذن ، من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له . وروى الأصم أن رجلًا منهم قال لقومه إن كان ما يقول محمد حقًا ، فنحن شر من الحمير فسمعها ابن امرأته ، فقال: والله إنه لحق وإنك أشر من حمارك ، ثم بلغ النبي A ذلك فقال بعضهم: إنما محمد أذن ولو لقيته وحلفت له ليصدقنك ، فنزلت هذه الآية على وفق قوله . فقال القائل: يا رسول الله لم أسلم قط قبل اليوم ، وإن هذا الغلام لعظيم الثمن علي والله لأشكرنه ثم قال الأصم: أظهر الله تعالى عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها لتكون حجة للرسول ولينزجروا . فقال: { وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات } .
ثم قال: { وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى } ثم قال: { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله } إلى غير ذلك من الأخبار عن الغيوب ، وفي كل ذلك دلائل على كونه نبيًا حقًا من عند الله .
المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى حكى أن من المنافقين من يؤذي النبي ، ثم فسر ذلك الإيذاء بأنهم يقولون للنبي أنه أذن ، وغرضهم منه أنه ليس له ذكاء ولا بعد غور ، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع ، فلهذا السبب سموه بأنه أذن ، كما أن الجاسوس يسمى بالعين يقال: جعل فلان علينا عينًا ، أي جاسوسًا متفحصًا عن الأمور ، فكذا ههنا .
ثم إنه تعالى أجاب عنه بقوله { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } والتقدير: هب أنه أذن لكنه خير لكم وقوله: { أُذُنُ خَيْرٍ } مثل ما يقال فلان رجل صدق وشاهد عدل ، ثم بين كونه { أُذُنُ خَيْرٍ } بقوله: { يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } جعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه E { أُذُنُ خَيْرٍ } فلنبين كيفية اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيرية .