فهرس الكتاب

الصفحة 3693 من 8321

أما قوله: { فَإِن تَوَلَّوْاْ } يريد المشركين والمنافقين . ثم قيل: { تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا عنك . وقيل: تولوا عن طاعة الله تعالى وتصديق الرسول E . وقيل: تولوا عن قبول التكاليف الشاقة المذكورة في هذه السورة ، وقيل: تولوا عن نصرتك في الجهاد . واعلم أن المقصود من هذه الآية بيان أن الكفار لو أعرضوا ولم يقبلوا هذه التكاليف ، لم يدخل في قلب الرسول حزن ولا أسف ، لأن الله حسبه وكافيه في نصره على الأعداء ، وفي إيصاله إلى مقامات الآلاء والنعماء { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وإذا كان لا إله إلا هو وجب أن يكون لا مبدىء لشيء من الممكنات ولا محدث لشيء من المحدثات إلا هو ، وإذا كان هو الذي أرسلني بهذه الرسالة ، وأمرني بهذا التبليغ كانت النصرة عليه والمعونة مرتقبة منه .

ثم قال: { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } وهو يفيد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه وهو رب العرش العظيم ، والسبب في تخصيصه بالذكر أنه كلما كانت الآثار أعظم وأكرم ، كان ظهور جلالة المؤثر في العقل والخاطر أعظم ، ولما كان أعظم الأجسام هو العرض كان المقصود من ذكره تعظيم جلال الله سبحانه .

فإن قالوا: العرش غير محسوس فلا يعرف وجوده إلا بعد ثبوت الشريعة فكيف يمكن ذكره في معرض شرح عظمة الله تعالى؟

قلنا: وجود العرش أمر مشهور والكفار سمعوه من اليهود و النصارى ، ولا يبعد أيضًا أنهم كانوا قد سمعوه من أسلافهم ومن الناس من قرأ قوله: { العظيم } بالرفع ليكون صفة للرب سبحانه . قال أبو بكر: وهذه القراءة أعجب ، لأن جعل العظيم صفة لله تعالى أولى من جعله صفة للعرش ، وأيضًا فإن جعلناه صفة للعرش ، كان المراد من كونه عظيمًا كبر جرمه وعظم حجمه واتساع جوانبه على ما هو مذكور في الأخبار ، وإن جعلناه صفة لله سبحانه ، كان المراد من العظمة وجوب الوجود والتقديس عن الحجمية والأجزاء والأبعاض ، وكمال العلم والقدرة ، وكونه منزهًا عن أن يتمثل في الأوهام أو تصل إليه الأفهام . وقال الحسن: هاتان الآيتان آخر ما أنزل الله من القرآن ، وما أنزل بعدهما قرآن . وقال أبي بن كعب: أحدث القرآن عهد بالله - D - هاتان الآيتان ، وهو قول سعيد بن جبير ، ومنهم من يقول: آخر ما أنزل من القرآن قوله تعالى: { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } [ البقرة: 281 ] .

ونقل عن حذيفة أنه قال: أنتم تسمون هذه السورة بالتوبة ، وهي سورة العذاب ما تركتم أحدًا إلا نالت منه ، والله ما تقرؤن ربعها .

اعلم أن هذه الرواية يجب تكذيبها ، لأنا لو جوزنا ذلك لكان ذلك دليلًا على تطرق الزيادة والنقصان إلى القرآن ، وذلك يخرجه عن كونه حجة ، ولا خفاء أن القول به باطل ، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده .

وهذا آخر تفسير هذه السورة ، ولله الحمد والشكر .

فرغ المؤلف C من تفسيرها في يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان سنة إحدى وستمائة والحمد لله وحده والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت