اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالاحسان الى النساء ومعاشرتهن بالجميل ، وما يتصل بهذا الباب ، ضم الى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة ، فان ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن ، وأيضا ففيه فائدة أخرى: وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال بالاحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن ، فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك ، وأيضا فيه فائدة ثالثة ، وهي بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم ، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة ، وأن مدار هذا الشرع الانصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الافراط والتفريط ، فقال: { واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: اللاتي: جمع التي ، وللعرب في جمع «التي» لغات: اللاتي واللات واللواتي واللوات . قال أبو بكر الانباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان: التي ، ومن الحيوان: اللاتي ، كقوله: { أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } [ النساء: 5 ] وقال في هذه: اللاتي واللائي ، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد ، وأما جمع الحيوان فليس كذلك ، بل كل واحدة منها غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات ، فهذا هو الفرق ، ومن العرب من يسوي بين البابين ، فيقول: ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا ، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا ، والأول هو المختار .
المسألة الثانية: قوله: { يَأْتِينَ الفاحشة } أي يفعلنها يقال: أتيت أمرا قبيحا ، أي فعلته قال تعالى: { لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا } [ مريم: 27 ] وقال: { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا } [ مريم: 89 ] وفي التعبير عن الاقدام على الفواحش بهذه العبارة لطيفة ، وهي أن الله تعالى لما نهى المكلف عن فعل هذه المعاصي ، فهو تعالى لا يعين المكلف على فعلها ، بل المكلف كأنه ذهب اليها من عند نفسه ، واختارها بمجرد طبعه ، فلهذه الفائدة يقال: إنه جاء إلى تلك الفاحشة وذهب اليها ، إلا أن هذه الدقيقة لا تتم إلا على قول المعتزلة . وفي قراءة ابن مسعود: يأتين بالفاحشة ، وأما الفاحشة فهي الفعلة القبيحة وهي مصدر عند أهل اللغة كالعاقبة يقال: فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة ، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل . وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا ، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح .
فان قيل: الكفر أقبح منه ، وقتل النفس أقبح منه ، ولا يسمى ذلك فاحشة .
قلنا: السبب في ذلك أن القوى المدبرة لبدن الانسان ثلاثة: القوة الناطقة ، والقوة الغضبية والقوة الشهوانية ، ففساد القوة الناطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما ، وفساد القوة الغضبية هو القتل والغضب وما يشبههما ، وفساد القوة الشهوانية هو الزنا واللواط والسحق وما أشبهها ، وأخس هذه القوى الثلاثة: القوة الشهوانية ، فلا جرم كان فسادها أخس أنواع الفساد ، فلهذا السبب خص هذا العمل بالفاحشة والله أعلم بمراده .