فهرس الكتاب

الصفحة 7748 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذه الكلمات الخمس إما أن يكون المراد منها جنسًا واحدًا أو أجناسًا مختلفة أما الاحتمال الأول: فذكروا فيه وجوهًا الأول: أن المراد منها بأسرها الملائكة فالمرسلات هم الملائكة الذين أرسلهم الله إما بإيصال النعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين ، وقوله: { عُرْفًا } فيه وجوه: أحدها: متتابعة كشعر العرف يقال: جاؤا عرفًا واحدًا وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه والثاني: أن يكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكرة فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة ، فهذا المعنى فيهم ظاهر وإن كانوا لأجل العذاب فذلك العذاب ، وإن لم يكن معروفًا للكفار ، فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم . والثالث: أن يكون مصدرًا كأنه قيل: والمرسلات أرسالًا أي متتابعة وانتصاب عرفًا على الوجه الأول على الحال ، وعلى الثاني لكونه مفعولًا أي أرسلت للإحسان والمعروف وقوله: { فالعاصفات عَصْفًا } فيه وجهان الأول: يعني أن الله تعالى لما أرسل أولئك الملائكة فهم عصفوا في طيرانهم كما تعصف الرياح . والثاني: أن هؤلاء الملائكة يعصفون بروح الكافر يقال: عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه ، يقال: ناقة عصوف ، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريح في السرعة ، وعصفت الحرب بالقوم ، أي ذهبت بهم ، قال الشاعر:

في فيلق شهباء ملمومة ... تعصف بالمقبل والمدبر

وقوله تعالى: { والناشرات نَشْرًا } معناه أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض ، أو نشروا الشرائع في الأرض ، أو نشروا الرحمة أو العذاب ، أو المراد الملائكة الذين ينشرون الكتب يوم الحساب ، وهي الكتب التي فيها أعمال بني آدم ، قال تعالى: { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُورًا } [ الإسراء: 13 ] وبالجملة فقد نشروا الشيء الذي أمروا بإيصاله إلى أهل الأرض ونشره فيهم وقوله تعالى: { فالفارقات فَرْقًا } معناه أنهم يفرقون بين الحق والباطل ، وقوله: { فالملقيات ذِكْرًا } معناه أنهم يلقون الذكر إلى الأنبياء ، ثم المراد من الذكر يحتمل أن يكون مطلق العلم والحكمة ، كما قال: { يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ } [ النحل: 2 ] ويحتمل أن يكون المراد هو القرآن خاصة ، وهو قوله: { أألقي الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا } [ القمر: 25 ] وقوله: { وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب } [ القصص: 86 ] وهذا الملقى وإن كان هو جبريل عليه السلام وحده ، إلا أنه يجوز أن يسمى الواحد باسم الجماعة على سبيل التعظيم .

واعلم أنك قد عرفت أن المقصود من القسم التنبيه على جلالة المقسم به ، وشرف الملائكة وعلو رتبتهم أمر ظاهر من وجوه أحدها: شدة مواظبتهم على طاعة الله تعالى ، كما قال تعالى: { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ النحل: 50 ] { لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [ الأنبياء: 27 ] وثانيها: أنهم أقسام: فمنهم من يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء ، ومنهم من يرسل للزوم بني آدم لكتابة أعمالهم؛ طائفة منهم بالنهار وطائفة منهم بالليل ، ومنهم من يرسل لقبض أرواح بني آدم ، ومنهم من يرسل بالوحي من سماء إلى أخرى ، إلى أن ينزل بذلك الوحي ملك السماء إلى الأرض ، ومنهم الملائكة الذين ينزلون كل يوم من البيت المعمور إلى الكعبة على ما روي ذلك في الإخبار ، فهذا مما ينتظمه قوله: { والمرسلات عُرْفًا } ثم ما فيها من سرعة السير ، وقطع المسافات الكثيرة في المدة اليسيرة ، كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت