{ تَعْرُجُ الملئكة والروح إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [ المعارج: 4 ] ثم ما فيها من نشر أجنحتهم العظيمة عند الطيران ، ونشر العلم والحكمة والنبوة والهداية والإرشاد والوحي والتنزيل ، وإظهار الفرق بين الحق والباطل بسبب إنزال ذلك الوحي والتنزيل ، وإلقاء الذكر في القلب واللسان بسبب ذلك الوحي ، وبالجملة فالملائكة هم الوسائط بين الله تعالى ، وبين عباده في الفوز بجميع السعادات العاجلة والآجلة والخيرات الجسمانية والروحانية ، فلذلك أقسم الله بهم .
القول الثاني: أن المراد من هذه الكلمات الخمس بأسرها الرياح ، أقسم الله برياح عذاب أرسلها عرفًا ، أي متتابعة كشعر العرف ، كما قال: { يُرْسِلُ الرياح } [ الروم: 46 ] { وَأَرْسَلْنَا الرياح } [ الحجر: 22 ] ثم إنها تشتد حتى تصير عواصف ورياح رحمة نشرت السحاب في الجو ، كما قال: { وَهُوَ الذى يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } [ النمل: 63 ] وقال: { الله الذى يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِى السماء } [ الروم: 48 ] ويجوز أيضًا أن يقال: الرياح تعين النبات والزرع والشجر على النشور والإنبات ، وذلك لأنها تلقح فيبرز النبات بذلك ، على ما قال تعالى: { وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ } [ الحجر: 22 ] فبهذا الطريق تكون الرياح ناشرة للنبات وفي كون الرياح فارقة وجوه أحدها: أن الرياح تفرق بعض أجزاء السحاب عن بعض وثانيها: أن الله تعالى خرب بعض القرى بتسليط الرياح عليها ، كما قال: { وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ } [ الحاقة: 6 ] وذلك سبب لظهور الفرق بين أولياء الله وأعداء الله وثالثها: أن عند حدوث الرياح المختلفة ، وترتيب الآثار العجيبة عليها من تموج السحاب وتخريب الديار تصير الخلق مضطرين إلى الرجوع إلى الله والتضرع على باب رحمته ، فيحصل الفرق بين المقر والمنكر والموحد والملحد ، وقوله: { فالملقيات ذِكْرًا } معناه أن العاقل إذا شاهد هبوب الرياح التي تقلع القلاع ، وتهدم الصخور والجبال ، وترفع الأمواج تمسك بذكر الله والتجأ إلى إعانة الله ، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر والإيمان والعبودية في القلب ، ولا شك أن هذه الإضافة تكون على سبيل المجاز من حيث إن الذكر حصل عند حدوث هذه .
القول الثالث: من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمسة على القرآن ، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن ، فقوله: { والمرسلات } المراد منها الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل عليه السلام إلى محمد A ، وقوله: { عُرْفًا } أي نزلت هذه الآيات بكل عرف وخير وكيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة والموصلة إلى مجامع الخيرات { فالعاصفات عَصْفًا } فالمراد أن دولة الإسلام والقرآن كانت ضعيفة في الأول ، ثم عظمت وقهرت سائر الملل والأديان ، فكأن دولة القرآن عصفت بسائر الدول والملل والأديان وقهرتها ، وجعلتها باطلة دائرة ، وقوله: { والناشرات نَشْرًا } المراد أن آيات القرآن نشرت آثار الحكمة والهداية في قلوب العالمين شرقًا وغربًا ، وقوله: { فالفارقات فَرْقًا } فذلك ظاهر ، لأن آيات القرآن هي التي تفرق بين الحق والباطل ، ولذلك سمي الله تعالى القرآن فرقانًا ، وقوله: { فالملقيات ذِكْرًا } فالأمر فيه ظاهر ، لأن القرآن ذكر ، كما قال تعالى: