اعلم أن هذه الآية تدل على صحة ما ذكرنا من أنه تعالى إنما أعاد هذه الأحكام ، لأن المقصود منها مخاطبة منافقي الأعراب ، ولهذا السبب بين أن كفرهم ونفاقهم أشد وجهلهم بحدود ما أنزل الله أكمل ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال العلماء من أهل اللغة ، يقال: رجل عربي . إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب . كما تقول مجوسي ويهودي ، ثم يحذف ياء النسبة في الجمع ، فيقال: المجوس واليهود ، ورجل أعرابي ، بالألف إذا كان بدويًا ، يطلب مساقط الغيث والكلأ ، سواء كان من العرب أو من مواليهم ، ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب ، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي: فرح ، والعربي إذا قيل له: يا أعرابي ، غضب له ، فمن استوطن القرى العربية فهم عرب ، ومن نزل البادية فهم أعراب ، والذي يدل على الفرق وجوه: الأول: أنه عليه السلام قال: « حب العرب من الإيمان » وأما الأعراب فقد ذمهم الله في هذه الآية . والثاني: أنه لا يجوز أن يقال: للمهاجرين والأنصار أعراب ، إنما هم عرب ، وهم متقدمون في مراتب الدين على الأعراب . قال عليه السلام: « لا تؤمن امرأة رجلًا ولا فاسق مؤمنًا ولاأعرابي مهاجرًا » الثالث: قيل إنما سمي العرب عربًا لأن أولاد إسمعيل نشأوا بعربة ، وهي من تهامة . فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم ، لأنهم إنما تولدوا من أولاد إسمعيل وقيل: سموا بالعرب ، لأنه ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم ، ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة ، ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة ، وحكمة الهند في أوهامهم ، وحكمة يونان في أفئدتهم . وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية ، وحكمة العرب في ألسنتهم ، وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم .
المسألة الثانية: من الناس من قال: الجمع المحلى بالألف واللام الأصل فيه أن ينصرف إلى المعهود السابق ، فإن لم يوجد المعهود السابق ، حمل على الاستغراق للضرورة . قالوا: لأن صيغة الجمع يكفي في حصول معناها الثلاثة فما فوقها ، والألف واللام للتعريف ، فإن حصل جمع هو معهود سابق وجب الانصراف إليه ، وإن لم يوجد فحينئذ يحمل على الاستغراق دفعًا للإجمال .
قالوا إذا ثبت هذا فنقول: قوله: { الأعراب } المراد منه جمع معينون من منافقي الأعراب ، كانوا يوالون منافقي المدينة فانصرف هذا اللفظ إليهم .
المسألة الثالثة: أنه تعالى حكم على الأعراب بحكمين:
الحكم الأول
أنهم أشد كفرًا ونفاقًا ، والسبب فيه وجوه: الأول: أن أهل البدو يشبهون الوحوش . والثاني: استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم ، وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم ، والثالث: أنهم ما كانوا تحت سياسة سائس ، ولا تأديب مؤدب ، ولا ضبط ضابط فنشاؤا كما شاؤوا ، ومن كان كذلك خرج على أشد الجهات فسادًا . والرابع: أن من أصبح وأمسى مشاهدًا لوعظ رسول الله A ، وبياناته الشافية ، وتأديباته الكاملة ، كيف يكون مساويًا لمن لم يؤاثر هذا الخير ، ولم يسمع خبره . والخامس: قابل الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لتعرف الفرق بين أهل الحضر والبادية .