فهرس الكتاب

الصفحة 5510 من 8321

اعلم أن الله تعالى أعاد الشبهة المتقدمة وأجاب عنها من وجهين: الأول: قوله: { تَنَزَّلُ على كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } وذلك هو الذي قررناه فيما تقدم أن الكفار يدعون إلى طاعة الشيطان ، ومحمدًا عليه السلام كان يدعو إلى لعن الشيطان والبراءة عنه والثاني: قوله: { يُلْقُونَ السمع وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون } والمراد أنهم كان يقيسون حال النبي A على حال سائر الكهنة فكأنه قيل لهم إن كان الأمر على ما ذكرتم فكما أن الغالب على سائر الكهنة الكذب فيجب أن يكون حال الرسول A كذلك أيضًا ، فلما لم يظهر في إخبار الرسول A عن المغيبات إلا الصدق علمنا أن حاله بخلاف حال الكهنة ، ثم إن المفسرين ذكروا في الآية وجوهًا: أحدها: أنهم الشياطين روي أنهم كانوا قبل أن حجبوا بالرجم يسمعون إلى الملأ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب ، ثم يوحون به إلى أوليائهم { وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون } فيما ( يوحى ) به إليهم ، لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا وثانيها: يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة وثالثها: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيلقون وحيهم إليهم ورابعها: يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس ، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم ، فإن قلت { يُلْقُون } ما محله؟ قلت يجوز أن يكون في محل النصب على الحال أي تنزل ملقين السمع ، وفي محل الجر صفة لكل أفاك لأنه في معنى الجمع ، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف كأن قائلًا قال: لم ننزل على الأفاكين؟ فقيل يفعلون كيت وكيت ، فإن قلت كيف قال: { وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون } بعدما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك؟ قلت: الأفاكون هم الذين يكثرون الكذب ، لا أنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب ، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الجن وأكثرهم يفتري عليهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت