فهرس الكتاب

الصفحة 5534 من 8321

اعلم أن قوله: { نَكّرُواْ } معناه اجعلوا العرش منكرًا مغيرًا عن شكله كما يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه ، وذلك لأنه لو ترك على ما كان لعرفته لا محالة ، وكان لا تدل معرفتها به على ثبات عقلها وإذا غير دلت معرفتها أو توقفها فيه على فضل عقل ، ولا يمتنع صحة ما قيل إن سليمان عليه السلام ألقى إليه أن فيها نقصان عقل لكي لا يتزوجها أو لا تحظى عنده على وجه الحسد ، فأراد بما ذكرنا اختبار عقلها .

أما قوله: { نَنظُرْ } فقرىء بالجزم على الجواب وبالرفع على الاستئناف ، واختلفوا في { أَتَهْتَدِى } على وجهين: أحدهما: أتعرف أنه عرشها أم لا؟ كما قدمنا الثاني: أتعرف به نبوة سليمان أم لا ولذلك قال: { أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ } وذلك كالذم ولا يليق إلا بطريقة الدلالة ، فكأنه عليه السلام أحب أن تنظر فتعرف به نبوته من حيث صار متنقلًا من المكان البعيد إلى هناك ، وذلك يدل على قدرة الله تعالى وعلى صدق سليمان عليه السلام ، ويعرف بذلك أيضًا فضل عقلها لأغراض كانت له ، فعند ذلك سألها .

أما قوله: { أَهَكَذَا عَرْشُكِ } فاعلم أن هكذا ثلاث كلمات ، حرف التنبيه وكاف التشبيه واسم الإشارة ، ولم يقل أهذا عرشك ، ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون تلقينًا فقالت: { كَأَنَّهُ هُوَ } ولم تقل هو هو ولا ليس به وذلك من كمال عقلها حيث توقفت في محل التوقف .

أما قوله: { وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا } ففيه سؤالان ، وهو أن هذا الكلام كلام من؟ وأيضًا فعلى أي شيء عطف هذا الكلام؟ وعنه جوابان: الأول: أنه كلام سليمان وقومه ، وذلك لأن بلقيس لما سئلت عن عرشها ، ثم إنها أجابت بقولها: { كَأَنَّهُ هُوَ } فالظاهر أن سليمان وقومه قالوا إنها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام ، ثم عطفوا على ذلك قولهم وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته قبل علمها ويكون غرضهم من ذلك شكر الله تعالى في أن خصهم بمزية التقدم في الإسلام الثاني: أنه من كلام بلقيس موصولًا بقولها: { كَأَنَّهُ هُوَ } والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو قبل هذه الحالة ، ثم أن قوله: { وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله } إلى آخر الآية يكون من كلام رب العزة .

أما قوله تعالى: { وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله } ففيه وجهان: الأول: المراد: وصدها عبادتها لغير الله عن الإيمان الثاني: وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل ، وقرىء أنها بالفتح على أنه بدل من فاعل صد وبمعنى لأنها ، واحتجت المعتزلة بهذه الآية فقالوا لو كان تعالى خلق الكفر فيها لم يكن الصاد لها كفرها المتقدم ولا كونها من جملة الكفار ، بل كان يكون الصاد لها عن الإيمان تجدد خلق الله الكفر فيها والجواب: أما على التأويل الثاني فلا شك في سقوط الاستدلال ، وأما على الأول فجوابنا أن كونها من جملة الكفار صار سببًا لحصول الداعية المستلزمة للكفر ، وحينئذ يبقى ظاهر الآية موافقًا لقولنا ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت