فهرس الكتاب

الصفحة 3164 من 8321

اعلم أن قوله: { أوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ على رَجُلٍ مّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ } يدل على أن مراد القوم من قولهم لنوح عليه السلام: { إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ } [ الأعراف: 60 ] هو أنهم نسبوه في ادعاء النبوة إلى الضلال ، وذلك من وجوه: أحدها: أنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه ، لأجل أنهم اعتقدوا أن المقصود من الإرسال هو التكليف . والتكليف لا منفعة فيه للمعبود لكونه متعاليًا عن النفع والضرر ، ولا منفعة فيه للعابد ، لأنه في الحال يوجب المضرة العظيمة ، وكل ما يرجى فيه من الثواب ودفع العقاب ، فالله قادر على تحصيله بدون واسطة التكليف ، فيكون التكليف عبثًا ، والله متعال عن العبث ، وإذا بطل التكليف بطل القول بالنبوة . وثانيها: أنهم وإن جوزوا التكليف إلا أنهم قالوا: ما علم حسنه بالعقل فعلناه ، وما علم قبحه تركناه ، وما لا نعلم فيه لا حسنه ولا قبحه ، فإن كنا مضطرين إليه فعلناه ، لعلمنا أنه متعال عن أن يكلف عبده ما لا طاقة له به ، وإن لم نكن مضطرين إليه تركناه للحذر عن خطر العقاب ، ولما كان رسول العقل كافيًا فلا حاجة إلى بعثة رسول آخر . وثالثها: أن بتقدير: أنه لا بد من الرسول؛ فإن إرسال الملائكة أولى ، لأن مهابتهم أشد ، وطهاراتهم أكمل ، واستغناءهم عن المأكول والمشروب أظهر ، وبعدهم عن الكذب والباطل أعظم . ورابعها: أن بتقدير: أن يبعث رسولًا من البشر ، فلعل القوم اعتقدوا أن من كان فقيرًا ، ولم يكن له تبع ورياسة فإنه لا يليق به منصب الرسالة ، ولعلهم اعتقدوا أن الذي ظن نوح عليه السلام أنه من باب الوحي ، فهو من جنس الجنون والعته وتخييلات الشيطان ، فهذا هو الإشارة إلى مجامع الوجوه التي لأجلها أنكر الكفار رسالة رجل معين ، فلهذه الأسباب حكموا على نوح بالضلالة ، ثم أن نوحًا عليه السلام أزال تعجبهم وقال: إنه تعالى خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عبيده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها ، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة ، لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء ، وهو ينافي التكليف ، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول واحدًا من الملائكة لما ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: { وَلَوْ جعلناه مَلَكًا لجعلناه رَجُلًا } [ الأنعام: 9 ] فبقي أن يكون إيصال تلك التكاليف إلى الخلق بواسطة إنسان ، وذلك الإنسان إنما يبلغهم تلك التكاليف لأجل أن ينذرهم ويحذرهم ، ومتى أنذرهم اتقوا مخالفة تكليف الله ، ومتى اتقوا مخالفة تكليف الله استوجبوا رحمة الله ، فهذا هو المراد من قوله: { لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية .

أما قوله: { أوعجبتم } فالهمزة للإنكار ، والواو للعطف ، والمعطوف عليه محذوف ، كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم أن جاءكم؟ أي عجبتم أن جاءكم ذكر . وذكروا في تفسير هذا الذكر وجوهًا . قال الحسن: إنه الوحي الذي جاءهم به . وقال آخرون: المراد بهذا الذكر المعجز ، ثم ذلك المعجز يحتمل وجهين: أحدهما: أنه تعالى كان قد أنزل عليه كتابًا ، وكان ذلك الكتاب معجزًا ، فسماه الله تعالى ذكرًا ، كما سمي القرآن بهذا الاسم ، وجعله معجزة لمحمد A . والثاني: أن ذلك المعجز كان شيئًا آخر سوى الكتاب . وقوله: { على رَجُلٍ } قال الفراء: { عَلَى } ههنا بمعنى مع كما تقول: جاء بالخبر على وجهه ومع وجهه ، كلاهما جائز . وقال ابن قتيبة: أي على لسان رجل منكم ، كما قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت