فهرس الكتاب

الصفحة 8282 من 8321

اعلم أن قوله: { تَبَتْ } فيه أقاويل أحدها: التباب الهلاك ، ومنه قولهم شابة أم تابة أي هالكة من الهرم ، ونظيره قوله تعالى: { وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ } [ غافر: 37 ] أي في هلاك ، والذي يقرر ذلك أن الأعرابي لما واقع أهله في نهار رمضان قال: هلكت وأهلكت ، ثم إن النبي E ما أنكر ذلك ، فدل على أنه كان صادقًا في ذلك ، ولا شك أن العمل إما أن يكون داخلًا في الإيمان ، أو إن كان داخلًا لكنه أضعف أجزائه ، فإذا كان بترك العمل حصل الهلاك ، ففي حق أبي لهب حصل ترك الاعتقاد والقول والعمل ، وحصل وجود الاعتقاد الباطل ، والقول الباطل ، والعمل الباطل ، فكيف يعقل أن لا يحصل معنى الهلاك ، فلهذا قال: { تَبَتْ } وثانيها: تبت خسرت ، والتباب هو الخسران المفضي إلى الهلاك ، ومنه قوله تعالى: { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } [ هود: 101 ] أي تخسير بدليل أنه قال في موضع آخر: { غير تخسير } [ هود: 63 ] وثالثها: تبت خابت ، قال ابن عباس: لأنه كان يدفع القوم عنه بقوله: إنه ساحر ، فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لا يتهم ، فلما نزلت السورة وسمع بها غضب وأظهر العداوة الشديدة فصار متهمًا فلم يقبل قوله في الرسول بعد ذلك ، فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه ، ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه ، فيقول: انصرف راشدًا فإنه مجنون ، فإن المعتاد أن من يصرف إنسانًا عن موضع وضع يده علي كتفه ودفعه عن ذلك الموضع ورابعها: عن عطاء تبت أي غلبت لأنه كان يعتقد أن يده هي العليا وأنه يخرجه من مكة ويذله ويغلب عليه وخامسها: عن ابن وثاب؛ صفرت يداه على كل خير ، وإن قيل: ما فائدة ذكر اليد؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: ما يروى أنه أخذ حجرًا ليرمي به رسول الله ، روي عن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله A في السوق يقول: « يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا ، ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه ، لا تطيعوه فإنه كذاب ، فقلت: من هذا ، فقالوا: محمد وعمه أبو لهب » وثانيها: المراد من اليدين الجملة كقوله تعالى: { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } [ الحج: 10 ] ومنه قولهم: يداك أو كتا ، وقوله تعالى: { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } [ يس: 71 ] وهذا التأويل متأكد بقوله: { وَتَبَّ } وثالثها: تبت يداه أي دينه ودنياه أولاه وعقباه ، أو لأن بإحدى اليدين تجر المنفعة ، وبالأخرى تدفع المضرة ، أو لأن اليمنى سلاح والأخرى جنة ورابعها: روي أنه عليه السلام لما دعاه نهارًا فأبى ، فلما جن الليل ذهب إلى داره مستنًا بسنة نوح ليدعوه ليلًا كما دعاه نهارًا ، فلما دخل عليه قال له: جئتني معتذرًا فجلس النبي عليه السلام أمامه كالمحتاج ، وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت