فهرس الكتاب

الصفحة 8281 من 8321

« إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه والآخرة فاختار لقاء الله » فقال السائل: وكيف دلت هذه السورة على هذا المعنى؟ الجواب: من وجوه أحدها: قال بعضهم: إنما عرفوا ذلك لما روينا أن الرسول خطب عقيب السورة وذكر التخيير وثانيها: أنه لما ذكر حصول النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجًا دل ذلك على حصول الكمال والتمام ، وذلك يعقبه الزوال كما قيل:

إذا تم شيء دنا نقصه ... توقع زوالًا إذا قيل تم

وثالثها: أنه أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقًا واشتغاله به يمنعه عن الاشتغال بأمر الأمة فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم وكمل ، وذلك يوجب الموت لأنه لو بقي بعد ذلك لكان كالمعزول عن الرسالة وأنه غير جائز ورابعها: قوله: { واستغفره } تنبيه على قرب الأجل كأنه يقول قرب الوقت ودنا الرحيل فتأهب للأمر ، ونبهه به على أن سبيل العاقل إذا قرب أجله أن يستكثر من التوبة وخامسها: كأنه قيل له: كان منتهى مطلوبك في الدنيا هذا الذي وجدته ، وهو النصر والفتح والاستيلاء ، والله تعالى وعدك بقوله: { والأخرة خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى } [ الضحى: 4 ] فلما وجدت أقصى مرادك في الدنيا فانتقل إلى الآخرة لتفوز بتلك السعادات العالية .

المسألة العاشرة: ذكرنا أن الأصح هو أن السورة نزلت قبل فتح مكة . وأما الذين قالوا: إنها نزلت بعد فتح مكة ، فذكر الماوردي أنه عليه السلام لم يلبث بعد نزول هذه السورة إلا ستين يومًا مستديمًا للتسبيح والاستغفار ، وقال مقاتل: عاش بعدها حولًا ونزل: { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة: 3 ] فعاش بعده ثمانين يومًا ثم نزل آية الكلالة ، فعاش بعدها خمسين يومًا ، ثم نزل: { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } [ التوبة: 128 ] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا ثم نزل: { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } [ البقرة: 281 ] فعاش بعدها أحد عشر يومًا وفي رواية أخرى عاش بعدها سبعة أيام ، والله أعلم كيف كان ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت