فهرس الكتاب

الصفحة 3864 من 8321

اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن في قوله: { أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } وجوهًا: الأول: أن يكون مفعولًا له والتقدير: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل ألا تعبدوا إلا الله وأقول هذا التأويل يدل على أنه لا مقصود من هذا الكتاب الشريف إلا هذا الحرف الواحد ، فكل من صرف عمره إلى سائر المطالب ، فقد خاب وخسر . الثاني: أن تكون ( أن ) مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول والحمل على هذا أولى ، لأن قوله: { وَأَنِ استغفروا } معطوف على قوله: { أَلاَّ تَعْبُدُواْ } فيجب أن يكون معناه: أي لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفًا على النهي ، فإن كونه بمعنى لئلا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه . والثالث: أن يكون التقدير: الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ليأمر الناس أن لا يعبدوا إلا الله ويقول لهم ، إنني لكم منه نذير وبشير ، والله أعلم .

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية مشتملة على التكليف من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر بأن لا يعبدوا إلا الله ، وإذا قلنا: الاستثناء من النفي إثبات ، كان معنى هذا الكلام النهي عن عبادة غير الله تعالى ، والأمر بعبادة الله تعالى ، وذلك هو الحق ، لأنا بينا أن ما سوى الله فهو محدث مخلوق مربوب ، وإنما حصل بتكوين الله وإيجاده ، والعبادة عبارة عن إظهار الخضوع والخشوع ونهاية التواضع والتذلل وهذا لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن ، فثبت أن عبادة غير الله منكرة ، والإعراض عن عبادة الله منكر .

واعلم أن عبادة الله مشروطة بتحصيل معرفة الله تعالى قبل العبادة ، لأن من لا يعرف معبوده لا ينتفع بعبادته فكان الأمر بعبادة الله أمرًا بتحصيل المعرفة أولًا . ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة: { ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ } [ البقرة: 21 ] ثم أتبعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وهو قوله: { الذى خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ } [ البقرة: 21 ] إنما حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة فلا جرم ذكر ما يدل على تحصيل المعرفة .

ثم قال: { إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } وفيه مباحث:

البحث الأول: أن الضمير في قوله: { مِنْهُ } عائد إلى الحكيم الخبير ، والمعنى: إنني لكم نذير وبشير من جهته .

البحث الثاني: أن قوله: { أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } مشتمل على المنع عن عبادة غير الله ، وعلى الترغيب في عبادة الله تعالى ، فهو E نذير على الأول بإلحاق العذاب الشديد لمن لم يأت بها وبشير على الثاني بإلحاق الثواب العظيم لمن أتى بها .

واعلم أنه A ما بعث إلا لهذين الأمرين ، وهو الإنذار على فعل ما لا ينبغي ، والبشارة على فعل ما ينبغي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت