وتمام الكلام في تفسير المحكم ذكرناه في تفسير قوله تعالى: { هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات } [ آل عمران: 7 ] .
المسألة الثالثة: في قوله: { فُصّلَتْ } وجوه: أحدها: أن هذا الكتاب فصل كما تفصل الدلائل بالفوائد الروحانية ، وهي دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص . والثاني: أنها جعلت فصولًا سورة سورة ، وآية آية . الثالث: { فُصّلَتْ } بمعنى أنها فرقت في التنزيل وما نزلت جملة واحدة ، ونظيره قوله تعالى: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ءايات مّفَصَّلاَتٍ } [ الأعراف: 133 ] والمعنى مجيء هذه الآيات متفرقة متعاقبة . الرابع: فصل ما يحتاج إليه العباد أي جعلت مبينة ملخصة . الخامس: جعلت فصولًا حلالًا وحرامًا ، وأمثالًا وترغيبًا ، وترهيبًا ومواعظ ، وأمرًا ونهيًا لكل معنى فيها فصل ، قد أفرد به غير مختلط بغيره حتى تستكمل فوائد كل واحد منها ، ويحصل الوقوف على كل باب واحد منها على الوجه الأكمل .
المسألة الرابعة: معنى { ثُمَّ } في قوله: { ثُمَّ فُصّلَتْ } ليس للتراخي في الوقت ، لكن في الحال كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام ، ثم مفصلة أحسن التفصيل ، وكما تقول: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل .
المسألة الخامسة: قال صاحب «الكشاف» : قرىء { أُحْكِمَتْ ءاياته ثم فُصلتْ } أي أحكمتها أنا ثم فصلتها ، وعن عكرمة والضحاك { ثُمَّ فُصّلَتْ } أي فرقت بين الحق والباطل .
المسألة السادسة: احتج الجبائي بهذه الآية على أن القرآن محدث مخلوق من ثلاثة أوجه: الأول: قال المحكم: هو الذي أتقنه فاعله ، ولولا أن الله تعالى يحدث هذا القرآن وإلا لم يصح ذلك لأن الإحكام لا يكون إلا في الأفعال ، ولا يجوز أن يقال: كان موجودًا غير محكم ثم جعله الله محكمًا ، لأن هذا يقتضي في بعضه الذي جعله محكمًا أن يكون محدثًا ، ولم يقل أحد بأن القرآن بعضه قديم وبعضه محدث . الثاني: أن قوله: { ثُمَّ فُصّلَتْ } يدل على أنه حصل فيه انفصال وافتراق ، ويدل على أن ذلك الانفصال والافتراق إنما حصل بجعل جاعل ، وتكوين مكون ، وذلك أيضًا يدل على المطلوب . الثالث: قوله: { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } والمراد من عنده ، والقديم لا يجوز أن يقال: إنه حصل من عند قديم آخر ، لأنهما لو كانا قديمين لم يكن القول بأن أحدهما حصل من عند الآخر أولى من العكس .
أجاب أصحابنا بأن هذه النعوت عائدة إلى هذه الحروف والأصوات ونحن معترفون بأنها محدثة مخلوقة ، وإنما الذي ندعي قدمه أمر آخر سوى هذه الحروف والأصوات .
المسألة السابعة: قال صاحب «الكشاف» قوله: { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } يحتمل وجوهًا: الأول: أنا ذكرنا أن قوله: { كِتَابٌ } خبر و { أُحْكِمَتْ } صفة لهذا الخبر ، وقوله: { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } صفة ثانية والتقدير: الر كتاب من لدن حكيم خبير . والثاني: أن يكون خبرًا بعد خبر والتقدير: الر من لدن حكيم خبير . والثالث: أن يكون ذلك صفة لقوله: ( أحكمت . وفصلت ) أي أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير ، وعلى هذا التقدير فقد حصل بين أول هذه الآية وبين آخرها نكتة لطيفة كأنه يقول أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات الأمور .