فهرس الكتاب

الصفحة 3199 من 8321

اعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ، وذكر في هذه القصة من الشرح والتفصيل ما لم يذكر في سائر القصص ، لأجل أن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات سائر الأنبياء ، وجهل قومه كان أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام .

واعلم أن الكناية في قوله: { مّن بَعْدِهِمْ } يجوز أن تعود إلى الأنبياء الذين جرى ذكرهم ، ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدم ذكرهم بإهلاكهم وقوله: { بئاياتنا } فيه مباحث .

البحث الأول: هذه الآية تدل على أن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن غيره ، إذ لو لم يكن مختصًا بهذه الآية لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره .

والبحث الثاني: هذه الآية تدل على أنه تعالى آتاه آيات كثيرة ، ومعجزات كثيرة .

والبحث الثالث: قال ابن عباس Bهما: أول آياته العصا ثم اليد ، ضرب بالعصا باب فرعون ، ففزع منها فشاب رأسه ، فاستحيا فخضب بالسواد ، فهو أول من خضب . قال: وآخر الآيات الطمس . قال: وللعصا فوائد كثيرة منها ما هو مذكور في القرآن كقوله: { قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أُخرى } [ طه: 18 ] وذكر الله من تلك المآرب في القرآن قوله: { اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } [ البقرة: 60 ] وذكر ابن عباس أشياء أخرى منها: أنه كان يضرب الأرض بها فتنبت ، ومنها: أنه كانت تحارب اللصوص والسباع التي كانت تقصد غنمه ، ومنها: أنها كانت تشتعل في الليل كاشتعال الشمعة ، ومنها: أنها كانت تصير كالحبل الطويل فينزح به الماء من البئر العميقة .

واعلم أن الفوائد المذكورة في القرآن معلومة ، فأما الأمور التي هي غير مذكورة في القرآن فكل ما ورد به خبر صحيح فهو مقبول وما لا فلا ، وقوله أنه كان يضرب بها الأرض فتخرج النبات ضعيف ، لأن القرآن يدل على أن موسى عليه السلام ، كان يفزع إلى العصا في الماء الخارج من الحجر ، وما كان يفزع إليها في طلب الطعام .

أما قوله: { فَظَلَمُواْ بِهَا } أي فظلموا بالآيات التي جاءتهم ، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه فلما كانت تلك الآيات قاهرة ظاهرة ، ثم إنهم كفروا بها فوضعوا الإنكار في موضع الإقرار والكفر في موضع الإيمان ، كان ذلك ظلمًا منهم على تلك الآيات .

ثم قال: { فانظر } أي بعين عقلك { كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } وكيف فعلنا بهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت