فاعلم أنه تعالى لما عرفهم أن سعيهم شتى في العواقب وبين ما للمحسن من اليسرى وللمسيء من العسرى ، أخبرهم أنه قد قضى ما عليه من البيان والدلالة والترغيب والترهيب والإرشاد والهداية فقال: { إِنَّ عَلَيْنَا للهدى } أي إن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد وشرح ما يكون المتعبد به مطيعًا مما يكون به عاصيًا ، إذ كنا إنما خلقناهم لننفعهم ونرحمهم ونعرضهم للنعيم المقيم ، فقد فعلنا ما كان فعله واجبًا علينا في الحكمة ، والمعتزل احتجوا بهذه الآية على صحة مذهبهم في مسائل إحداها: أنه تعالى أباح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما في وسعه وطاقته ، فثبت أنه تعالى لا يكلف بما لا يطاق وثانيها: أن كلمة على للوجوب ، فتدل على أنه قد يجب للعبد على الله شيء وثالثها: أنه لو لم يكن العبد مستقلًا بالإيجاد لما كان في وضع الدلائل فائدة ، وأجوبة أصحابنا عن مثل هذه الوجوه مشهورة ، وذكر الواحدي وجهًا آخر نقله عن الفراء فقال المعنى: إن علينا للهدى والإضلال ، فترك الإضلال كما قال: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل: 81 ] وهي تقي الحر والبرد ، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء ، قال: يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي ، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي فذكر معنى الإضلال ، قالت المعتزلة: هذا التأويل ساقط لقوله تعالى: { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَائِرٌ } [ النحل: 9 ] فبين أن قصد السبيل على الله ، وأما جور السبيل فبين أنه ليس على الله ولا منه ، واعلم أن الاستقصاء قد سبق في تلك الآية . أما قوله تعالى: