فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 8321

اعلم أن هذا هو الإنعام السادس ، بيانه من وجوه ، أحدها: كأنه تعالى قال: اذكروا نعمتي حين قلتم لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ثم أحييتكم لتتوبوا عن بغيكم وتتخلصوا عن العقاب وتفوزوا بالثواب ، وثانيها: أن فيها تحذيرًا لمن كان في زمان نبينا محمد A عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك . وثالثها: تشبيههم في جحودهم معجزات النبي A بأسلافهم في جحود نبوة موسى عليه السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات الظاهرة وتنبيهًا على أنه تعالى إنما لا يظهر عن النبي A مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها ولو جحدوها لاستحقوا العقاب مثل ما استحقه أسلافهم ، ورابعها: فيه تسلية للنبي A مما كان يلاقي منهم وتثبيت لقلبه على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل . وخامسها: فيه إزالة شبهة من يقول: إن نبوة محمد A لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب لما أنهم عرفوا خبره ، وذلك لأنه تعالى بين أن أسلافهم مع مشاهدتهم تلك الآيات الباهرة على نبوة موسى عليه السلام كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه ويخالفونه فلا يتعجب من مخالفتهم لمحمد E وإن وجدوا في كتبهم الأخبار عن نبوته . وسادسها: لما أخبر محمد E عن هذه القصص مع أنه كان أميًا لم يشتغل بالتعلم ألبتة وجب أن يكون ذلك عن الوحي .

البحث الثاني: للمفسرين في هذه الواقعة قولان ، الأول: أن هذه الواقعة كانت بعد أن كلف الله عبدة العجل بالقتل ، قال محمد بن اسحاق: لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال . وحرق العجل وألقاه في البحر ، اختار من قومه سبعين رجلًا من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى يسمعنا كلامه ، فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه الله إليه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وعوا ، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه ، وسمع القوم كلام الله مع موسى عليه السلام يقول له: افعل ولا تفعل ، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعًا وقام موسى رافعًا يديه إلى السماء يدعو ويقول: يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلًا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم ، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد ، فما الذي يقولون فيّ ، فلم يزل موسى مشتغلًا بالدعاء حتى رد الله إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت