فهرس الكتاب

الصفحة 5151 من 8321

إعلم أنه تعالى لما قال من قبل { الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة } [ الحج: 69 ] أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم ، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماء والأرض } وههنا مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { أَلَمْ تَعْلَمْ } هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول A والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى .

المسألة الثانية: الخطاب مع الرسول A والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت إلا بعد العلم بكونه تعالى عالمًا بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق ، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلًا على الصدق ، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالمًا بذلك . فثبت أن المراد أن يكون خطابًا مع الغير .

أما قوله: { إِنَّ ذلك فِى كتاب } ففيه قولان: أحدهما: وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها ، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به ، فالمراد من قوله: { إِنَّ ذلك فِى كتاب } أنه محفوظ عنده والتالي وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السموات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى ، لأن القول الأول وإن كان صحيحًا نظرًا إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف ، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى . فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضًا فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول: أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني: أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلًا لهم زائدًا على كونه سبحانه عالمًا بكل المعلومات .

أما قوله: { إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ } فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير ، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور ، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه ، ووضوح دلائله . فقال: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } فبين أن عبادتهم لغير الله تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله: { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله: { وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة ، فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلًا ، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافرًا ، وإن لم يعلم كونه كافرًا ، ويدل أيضًا على فساد التقليد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت