فهرس الكتاب

الصفحة 7044 من 8321

قد ذكرنا تفسير المتقين والجنات في سور منها: { الطور } وأما النهر ففيه قراءات فتح النون والهاء كحجر وهو اسم جنس ويقوم مقام الأنهار وهذا هو الظاهر الأصح وفيه مسائل:

المسألة الأولى: لا شك أن كمال اللذة بالبستان أن يكون الإنسان فيه ، وليس من اللذة بالنهر أن يكون الإنسان فيه ، بل لذته أن يكون في الجنة عند النهر ، فما فمعنى قوله تعالى: { وَنَهَرٍ } ؟ نقول: قد أجبنا عن هذا في تفسير قوله تعالى: { إِنَّ المتقين فِى جنات وَعُيُونٍ } [ الذاريات: 15 ] في سورة الذاريات ، وقلنا: المراد في خلال العيون ، وفيما بينها من المكان وكذلك في جنات لأن الجنة هي الأشجار التي تستر شعاع الشمس ، ولهذا قال تعالى: { فِى ظلال وَعُيُونٍ } [ المرسلات: 41 ] . وإذا كانت الجنة هي الأشجار الساترة فالإنسان لا يكون في الأشجار وإنما يكون بينها أو خلالها ، فكذلك النهر ، ونزيد ههنا وجهًا آخر وهو أن المراد في جنات وعند نهر لكون المجاورة تحسن إطلاق اللفظ الذي لا يحسن إطلاقه عند عدم المجاورة كما قال:

« علفتها تبنًا وماء باردًا » ... وقالوا: تقلدت سيفًا ورمحًا ، والماء لا يعلف والرمح لا يتقلد ولكن لمجاورة التبن والسيف حسن الإطلاق فكذلك هنا لم يأت في الثاني بما أتى به في الأول من كلمة في .

المسألة الثانية: وحد النهر مع جمع الجنات وجمع الأنهار وفي كثير من المواضع كما في قوله تعالى: { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } [ البقرة: 25 ] إلى غيره من المواضع فما الحكمة فيه؟ نقول: أما على الجواب الأول فنقول: لما بين أن معنى في نهر في خلال فلم يكن للسامع حاجة إلى سماع الأنهار ، لعلمه بأن النهر الواحد لا يكون له خلال . وأما في قوله تعالى: { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } فلو لم يجمع الأنهار لجاز أن يفهم أن في الجنات كلها نهرًا واحدًا كما في الدنيا فقد يكون نهر واحد ممتد جار في جنات كثيرة وأما على الثاني فنقول: الإنسان يكون في جنات لأنا بينا أن الجمع في جنات إشارة إلى سعتها وكثرة أشجارها وتنوعها والتوحيد عندما قال: { مَّثَلُ الجنة } [ محمد: 15 ] وقال: { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } [ التوبة: 111 ] لاتصال أشجارها ولعدم وقوع القيعان الخربة بينها ، وإذا علمت هذا فالإنسان في الدنيا إذا كان في بيت في دار وتلك الدار في محلة ، وتلك المحلة في مدينة ، يقال إنه في بلدة كذا ، وأما القرب فإذا كان الإنسان في الدنيا بين نهرين بحيث يكون قربه منهما على السواء يقال إنه جالس عند نهرين ، فإذا قرب من أحدهما يقال من عند أحد نهرين دون الآخر ، لكن في دار الدنيا لا يمكن أن يكون عند ثلاثة أنهار وإنما يمكن أن يكون عند نهرين ، والثالث منه أبعد من النهرين ، فهو في الحقيقة ليس يكون في زمان واحد عند أنهار والله تعالى يذكر أمر الآخرة على ما نفهمه في الدنيا ، فقال: عند نهر لما بينا أن قوله: { وَنَهَرٍ } وإن كان يقتضي في نهر لكن ذلك للمجاورة كما في تقلدت سيفًا ورمحًا ، وأما قوله: { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } فحقيقته مفهومة عندنا لأن الجنة الواحدة قد يجري فيها أنهار كثيرة أكثر من ثلاثة وأربعة ، فهذا ما فيه مع أن أواخر الآيات يحسن فيها التوحيد دون الجمع ، ويحتمل أن يقال و { نهر } التنكير للتعظيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت