فهرس الكتاب

الصفحة 7786 من 8321

ورابعها: قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } طعن بعض الملاحدة في هذه الآية فقالوا: السبات هو النوم ، والمعنى: وجعلنا نومكم نومًا ، واعلم أن العلماء ذكروا في التأويل وجوهًا أولها: قال الزجاج: { سُبَاتًا } موتًا والمسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن الحركة ودليله أمران إحداهما: قوله تعالى: { وَهُوَ الذي يتوفاكم باليل } [ الأنعام: 60 ] إلى قوله: { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ } [ الأنعام: 60 ] والثاني: أنه لما جعل النوم موتًا جعل اليقظة معاشًا ، أي حياة في قوله: { وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشًا } [ النبأ: 11 ] وهذا القول عندي ضعيف لأن الأشياء المذكورة في هذه الآية جلائل النعم ، فلا يليق الموت بهذا المكان وأيضًا ليس المراد بكونه موتًا ، أن الروح انقطع عن البدن ، بل المراد منه انقطاع أثر الحواس الظاهرة ، وهذا هو النوم ، ويصير حاصل الكلام إلى: إنا جعلنا نومكم نومًا وثانيها: قال الليث: السبات النوم شبه الغشي يقال سبت المريض فهو مسبوت ، وقال أبو عبيدة: السبات الغشية التي تغشى الإنسان شبه الموت ، وهذا القول أيضًا ضعيف ، لأن الغشي ههنا إن كان النوم فيعود الإشكال ، وإن كان المراد بالسبات شدة ذلك الغشي فهو باطل ، لأنه ليس كل نوم كذلك ولأنه مرض فلا يمكن ذكره في أثناء تعديد النعم وثالثها: أن السبت في أصل اللغة هو القطع يقال سبت الرجل رأسه يسبته سبتًا إذا حلق شعره ، وقال ابن الأعرابي في قوله: { سُبَاتًا } أي قطعًا ثم عند هذا يحتمل وجوهًا الأول: أن يكون المعنى: وجعلنا نومكم نومًا متقطعًا لا دائمًا ، فإن النوم بمقدار الحاجة من أنفع الأشياء . أما دوامه فمن أضر الأشياء ، فلما كان انقطاعه نعمة عظيمة لا جرم ذكره الله تعالى في معرض الإنعام الثاني: أن الإنسان إذا تعب ثم نام ، فذلك النوم يزيل عنه ذلك التعب ، فسميت تلك الإزالة سبتًا وقطعًا ، وهذا هو المراد من قول ابن قتيبة: { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } أي راحة ، وليس غرضه منه أن السبات اسم للراحة ، بل المقصود أن النوم يقطع التعب ويزيله ، فحينئذ تحصل الراحة الثالث: قال المبرد: { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } أي جعلناه نومًا خفيفًا يمكنكم دفعه وقطعه ، تقول العرب: رجل مسبوت إذا كان النوم يغالبه وهو يدافعه ، كأنه قيل: وجعلنا نومكم نومًا لطيفًا يمكنكم دفعه ، وما جعلناه غشيًا مستوليًا عليكم ، فإن ذلك من الأمراض الشديدة ، وهذه الوجوه كلها صحيحة . وخامسها قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت