فهرس الكتاب

الصفحة 8317 من 8321

{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس * مَلِكِ الناس * إله الناس } فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرىء: { قُلْ أَعُوذُ } بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام ونظيره: { فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير } [ البقرة: 260 ] وأيضًا أجمع القراء على ترك الإمالة في الناس ، وروي عن الكسائي الإمالة في الناس إذا كان في موضع الخفض .

المسألة الثانية: أنه تعالى رب جميع المحدثات ، ولكنه ههنا ذكر أنه رب الناس على التخصيص وذلك لوجوه أحدها: أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو إلهم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم وثانيها: أن أشرف المخلوقات في العالم هم الناس وثالثها: أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان ، فإذا قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول: يا رب يا ملكي يا إلهي .

المسألة الثالثة: قوله تعالى: { مَلِكِ الناس * إله الناس } هما عطف بيان كقوله: سيرة أبي حفص عمر الفاروق ، فوصف أولًا بأنه رب الناس ثم الرب قد يكون ملكًا وقد لا يكون ، كما يقال: رب الدار ورب المتاع قال تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَابًا مّن دُونِ الله } [ التوبة: 31 ] فلا جرم بينه بقوله: { مَلِكِ الناس } ثم الملك قد يكون إلهًا وقد لا يكون فلا جرم بينه بقوله: { إله الناس } لأن الإله خاص به وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره وأيضًا بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه ، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملكه ، فثنى بذكر الملك ، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه ، وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله ، فلهذا ختم به ، وأيضًا أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعًا لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة ، وهذا هو الرب ، ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق ، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكًا ، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره ويكون هو غنيًا عن غيره ، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته ، فحينئذ يعرفه إلهًا .

المسألة الرابعة: السبب في تكرير لفظ الناس أنه إنما تكررت هذه الصفات ، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار ، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربًا للناس ، ملكًا للناس ، إلهًا للناس . ولولا أن الناس أشر مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربًا وملكًا وإلهًا لهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت