فيه مسألتان:
المسألة الأولى: ( الولى ) فعيل بمعنى فاعل من قولهم: ولي فلان الشيء يليه ولاية فهو وال وولي ، وأصله من الولي الذي هو القرب ، قال الهذلي:
وعدت عواد دون وليك تشغب ... ومنه يقال: داري تلى دارها ، أي تقرب منها ، ومنه يقال: للمحب المعاون: ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة ولا يفارقك ، ومنه الوالي ، لأنه يلي القوم بالتدبير والأمر والنهي ومنه المولى ومن ثم قالوا في خلاف الولاية: العداوة من عدا الشيء إذا جاوزه ، فلأجل هذا كانت الولاية خلاف العداوة .
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ألطاف الله تعالى في حق المؤمن فيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر ، بأن قالوا: الآية دلت على أنه تعالى ولي الذين آمنوا على التعيين ومعلوم أن الولي للشيء هو المتولي لما يكون سببًا لصلاح الإنسان واستقامة أمره في الغرض المطلوب ولأجله قال تعالى: { يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاءهُ إِلاَّ المتقون } [ الأنفال: 34 ] فجعل القيم بعمارة المسجد وليًا له ونفى في الكفار أن يكونوا أولياءه ، فلما كان معنى الولي المتكفل بالمصالح ، ثم إنه تعالى جعل نفسه وليًا للمؤمنين على التخصيص ، علمنا أنه تعالى تكفل بمصالحهم فوق ما تكفل بمصالح الكفار ، وعند المعتزلة أنه تعالى سوى بين الكفار والمؤمنين في الهداية والتوفيق والألطاف ، فكانت هذه الآية مبطلة لقولهم ، قالت المعتزلة: هذا التخصيص محمول على أحد وجوه الأول: أن هذا محمول على زيادة الألطاف ، كما ذكره في قوله { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } [ محمد: 17 ] وتقريره من حيث العقل أن الخير والطاعة يدعو بعضه إلى بعض ، وذلك لأن المؤمن إذا حضر مجلسًا يجري فيه الوعظ ، فإنه يلحق قلبه خشوع وخضوع وانكسار ، ويكون حاله مفارقًا لحال من قسا قلبه بالكفر والمعاصي ، وذلك يدل على أنه يصح في المؤمن من الألطاف ما لا يصح في غيره ، فكان تخصيص المؤمنين بأنه تعالى وليهم محمولًا على ذلك .
والوجه الثاني: أنه تعالى يثيبهم في الآخرة ، ويخصهم بالنعيم المقيم والإكرام العظيم فكان التخصيص محمولًا عليه .
والوجه الثالث: وهو أنه تعالى وإن كان وليًا للكل بمعنى كونه متكفلًا بمصالح الكل على السوية ، إلا أن المنتفع بتلك الولاية هو المؤمن ، فصح تخصيصه بهذه الآية ، كما في قوله { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] .
الوجه الرابع: أنه تعالى ولي المؤمنين ، بمعنى: أنه يحبهم ، والمراد أنه يحب تعظيمهم .
أجاب الأصحاب عن الأول بأن زيادة الألطاف متى أمكنت وجبت عندكم ، ولا يكون لله تعالى في حق المؤمن إلا أداء الواجب ، وهذا المعنى بتمامه حاصل في حق الكافر ، بل المؤمن فعل مالأجله استوجب من الله ذلك المزيد من اللطف .
أما السؤال الثاني: وهو أنه تعالى يثيبه في الآخرة فهو أيضًا بعيد ، لأن ذلك الثواب واجب على الله تعالى ، فولي المؤمن هو الذي جعله مستحقًا على الله ذلك الثواب ، فيكون وليه هو نفسه ولا يكون الله هو وليًا له .