فهرس الكتاب

الصفحة 1045 من 8321

اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله: { ذلك } إشارة إلى ماذا؟ فذكروا وجهين:

الأول: أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد ، لأنه تعالى لما حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد ، بين أن ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنما كان لأن الله نزل الكتاب بالحق في صفة محمد A ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى لأجل مشاقة الرسول يخفونه ويوقعون الشبهة فيه ، فلا جرم استحقوا ذلك الوعيد الشديد ، ثم قد تقدم في وعيدهم أمور: أحدها: أنهم اشتروا العذاب بالمغفرة وثانيها: اشتروا الضلالة بالهدى وثالثها: أن لهم عذابًا أليمًا ورابعها: أن الله لا يزكيهم وخامسها: أن الله لا يكلمهم فقوله: { ذلك } يصلح أن يكون إشارة إلى كل واحد من هذه الأشياء ، وأن يكون إشارة إلى مجموعها .

الثاني: أن { ذلك } إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على الله في مخالفتهم أمر الله ، وكتمانهم ما أنزل الله تعالى ، فبين تعالى أن ذلك إنما هو من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق ، وقد نزل فيه أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا ينقادون ، ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر ، كما قال: { إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة: 6 ] .

المسألة الثانية: قوله: { ذلك } يحتمل أن يكون في محل الرفع أو في محل النصب ، أما في محل الرفع بأن يكون مبتدأ ، ولا محالة له خبر ، وذلك الخبر وجهان الأول: التقدير ذلك الوعيد معلوم لهم بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق ، فبين فيه وعيد من فعل هذه الأشياء فكان هذا الوعيد معلومًا لهم لا محالة الثاني: التقدير: ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب وكفروا به فيكون الباء في محل الرفع بالخبرية ، وأما في محل النصب فلأن التقدير: فعلنا ذلك بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق وهم قد حرفوه .

المسألة الثالثة: المراد من الكتاب يحتمل أن يكون هو التوراة والإنجيل المشتملين على بعث محمد A ، ويحتمل أن يكون هو القرآن ، فإن كان الأول كان المعنى: وإن الذين اختلفوا في تأويله وتحريفه لفي شقاق بعيد ، وإن كان الثاني كان المعنى وإن الذين اختلفوا في كونه حقًا منزلًا من عند الله لفي شقاق بعيد .

المسألة الرابعة: قوله: { بالحق } أي بالصدق ، وقيل ببيان الحق .

وقوله تعالى: { وَإِنَّ الذين اختلفوا } فيه مسألتان:

المسألة الأولى: إن الذين اختلفوا قيل: هم الكفار أجمع اختلفوا في القرآن ، والأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد A فيهما ، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله ، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم ، أما قوله: { بالحق } فقيل: بالصدق ، وقيل: ببيان الحق ، وأما قوله: { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِى الكتاب } فاعلم أنا وإن قلنا: المراد من الكتاب هو القرآن ، كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال: إنه كهانة ، وآخرون قالوا: إنه سحر ، وثالث قال: رجز ، ورابع قال: إنه أساطير الأولين وخامس قال: إنه كلام منقول مختلق ، وإن قلنا: المراد من الكتاب التوراة والإنجيل فالمراد باختلافهم يحتمل وجوهًا أحدها: أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح ، فاليهود قالوا: إنها دالة على القدح في عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته وثانيها: أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد A فذكر كل واحد منهم له تأويلًا آخر فاسدًا لأن الشيء إذا لم يكن حقًا واجب القبول بل كان متكلفًا كان كل أحد يذكر شيئًا آخر على خلاف قول صاحبه ، فكان هذا هو الإختلاف وثالثها: ما ذكره أبو مسلم فقال: قوله: { اختلفوا } من باب افتعل الذي يكون مكان فعل ، كما يقال: كسب واكتسب ، وعمل واعتمل ، وكتب واكتتب ، وفعل وافتعل ، ويكون معنى قوله: { الذين اختلفوا فِى الكتاب } الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت