فيه مسائل:
المسألة الأولى: من المعلوم بالضرورة أن الحج ليس نفس الأشهر فلا بد ههنا من تأويل وفيه وجوه أحدها: التقدير: أشهر الحج أشهر معلومات ، فحذف المضاف وهو كقولهم: البرد شهران ، أي وقت البرد شهران والثاني: التقدير الحج حج أشهر معلومات ، أي لا حج إلا في هذه الأشهر ، ولا يجوز في غيرها كما كان أهل الجاهلية يستجيزونها في غيرها من الأشهر ، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر الثالث: يمكن تصحيح الآية من غير إضمار وهو أنه جعل الأشهر نفس الحج لما كان الحج فيها كقولهم: ليل قائم ، ونهار صائم .
المسألة الثانية: أجمع المفسرون على أن شوالًا وذا القعدة من أشهر الحج واختلفوا في ذي الحجة ، فقال عروة بن الزبير: إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك C تعالى ، وقال أبو حنيفة C: العشر الأول من ذي الحجة من أشهر الحج ، وهو قول ابن عباس وابن عمر والنخعي والشعبي ومجاهد والحسن ، وقال الشافعي Bه: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر من أشهر الحج ، حجة مالك Bه من وجوه الأول: أن الله تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع وأقله ثلاثة .
الحجة الثانية: أن أيام النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج ، وهو رمي الجمار والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى انقضاء أيام بعد العشر ، ومذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر والجواب عن الأول: من وجهين أحدهما: أن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد ، بدليل قوله: { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم: 4 ] والثاني: أنه نزل بعض الشهر منزلة كله ، كما يقال: رأيتك سنة كذا إنما رآه في ساعة منها والجواب عن الثاني: أن رمي الجمار يفعله الإنسان وقد حج بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج ، والحائض إذا طافت بعده فكأنه في حكم القضاء لا في حكم الأداء ، وأما الذين قالوا إن عشرة أيام من أول ذي الحجة هي من أشهر الحج ، فقد تمسكوا فيه بوجهين الأول: أن من المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر والثاني: أن يوم النحر وقت لركن من أركان الحج ، وهو طواف الزيارة ، وأما الشافعي Bه فإنه احتج على قوله بأن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر ، والعبادة لا تكون فائته مع بقاء وقتها ، فهذا تقرير هذه المذاهب .
بقي ههنا إشكالان الأول: أنه تعالى قال من قبل: { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج } [ البقرة: 189 ] فجعل كل الأهلة مواقيت للحج الثاني: أنه اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله ، ومن بعد داره البعد الشديد لا يجوز أن يحرم من دويرة أهله بالحج إلا قبل أشهر الحج ، وهذا يدل على أن أشهر الحج غير مقيدة بزمان مخصوص والجواب من الأول: أن تلك الآية عامة ، وهذه الآية وهي قوله: { الحج أَشْهُرٌ معلومات } خاصة والخاص مقدم على العام وعن الثاني: أن النص لا يعارضه الأثر المروي عن الصحابة .