فهرس الكتاب

الصفحة 1596 من 8321

فاعلم أن الكتاب ههنا هو القرآن ، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة اشتقاقه ، وإنما خص القرآن بالتنزيل ، والتوراة والإنجيل بالإنزال ، لأن التنزيل للتكثير ، والله تعالى نزل القرآن نجما نجما ، فكان معنى التكثير حاصلًا فيه ، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة ، فلهذا خصهما بالإنزال ، ولقائل أن يقول: هذا يشكل بقوله تعالى: { الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } [ الكهف: 1 ] وبقوله { وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ } [ الإسراء: 105 ] .

واعلم أنه تعالى وصف القرآن المنزّل بوصفين:

الوصف الأول: قوله { بالحق } قال أبو مسلم: إنه يحتمل وجوهًا أحدها: أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة وثانيها: أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ، ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل وثالثها: أنه حق بمعنى أنه قول فصل ، وليس بالهزل ورابعها: قال الأصم: المعنى أنه تعالى أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية ، وشكر النعمة ، وإظهار الخضوع ، وما يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في المعاملات وخامسها: أنزله بالحق لا بالمعاني الفاسدة المتناقضة ، كما قال: { أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } وقال: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا } [ النساء: 82 ] .

والوصف الثاني: لهذا الكتاب قوله { مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } والمعنى أنه مصدق لكتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولما أخبروا به عن الله عزّ وجلّ ، ثم في الآية وجهان الأول: أنه تعالى دلّ بذلك على صحة القرآن ، لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقًا لسائر الكتب ، لأنه كان أُميًا لم يختلط بأحد من العلماء ، ولا تتلمذ لأحد ، ولا قرأ على أحد شيئًا ، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف ، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصص بوحي الله تعالى الثاني: قال أبو مسلم: المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبيًا قط إلا بالدعاء إلى توحيده ، والإيمان به ، وتنزيهه عما لا يليق به ، والأمر بالعدل والإحسان ، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان ، فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك ، بقي في الآية سؤالان:

السؤال الأول: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه .

والجواب: أن تلك الأخبار لغاية ظهورها سماها بهذا الاسم .

السؤال الثاني: كيف يكون مصدقًا لما تقدمه من الكتب ، مع أن القرآن ناسخ لأكثر تلك الأحكام؟ .

والجواب: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثه ، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن ، كانت موافقة للقرآن ، فكان القرآن مصدقًا لها ، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها ، لأن دلائل المباحث الإلهية لا تختلف في ذلك ، فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت