فهرس الكتاب

الصفحة 3747 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنا بينا فيما سلف ، أن القوم إنما التمسوا منه ذلك الالتماس ، لأجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه ، على سبيل الاختلاق والافتعال ، لا على سبيل كونه وحيًا من عند الله . فلهذا المعنى احتج النبي E على فساد هذا الوهم بما ذكره الله تعالى في هذه الآية . وتقريره أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله A من أول عمره إلى ذلك الوقت ، وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتابًا ولا تلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد ، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول ، ودقائق علم الأحكام ، ولطائف علم الأخلاق ، وأسرار قصص الأولين . وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء ، وكل من له عقل سليم فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من الله تعالى ، فقوله: { لَّوْ شَاء الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } حكم منه E بأن هذا القرآن وحي من عند الله تعالى ، لا من اختلاقي ولا من افتعالي . وقوله: { فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مّن قَبْلِهِ } إشارة إلى الدليل الذي قررناه ، وقوله: { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يعني أن مثل هذا الكتاب العظيم إذا جاء على يد من لم يتعلم ولم يتلمذ ولم يطالع كتابًا ولم يمارس مجادلة ، يعلم بالضرورة أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي والتنزيل . وإنكار العلوم الضرورية يقدح في صحة العقل . فلهذا السبب قال: { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .

المسألة الثانية: قوله: { وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } هو من الدراية بمعنى العلم . قال سيبويه: يقال دريته ودريت به ، والأكثر هو الاستعمال بالباء . والدليل عليه قوله تعالى: { وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } ولو كان على اللغة الأخرى لقال ولا أدراكموه .

إذا عرفت هذا فنقول: معنى { وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } أي ولا أعلمكم الله به ولا أخبركم به . قال صاحب «الكشاف» : قرأ الحسن { وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } على لغة من يقول أعطأته وأرضأته في معنى أعطيته وأرضيته ويعضده قراءة ابن عباس { وَلاَ أَنذَرْتُكُمْ بِهِ } ورواه الفراء { وَلاَ أدرأتكم } به بالهمز ، والوجه فيه أن يكون من أدرأته إذا دفعته ، وأدرأته إذا جعلته داريًا ، والمعنى: ولا أجعلكم بتلاوته خصماء تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ، وعن ابن كثير { ولأدرأكم } بلام الابتداء لإثبات الإدراء .

وأما قوله تعالى: { بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مّن قَبْلِهِ } فالقراءة المشهورة بضم الميم ، وقرىء { عُمُرًا } بسكون الميم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت