اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أولًا وذكر وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثانيًا أردف ذلك الوعد والوعيد بالتأكيد فقال لتأكيد الوعيد: { إن بطش ربك لشديد } والبطش هو الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم ونظيره { إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [ هود: 102 ] ثم إن هذا القادر لا يكون إمهاله لأجل الإهمال ، لكن لأجل أنه حكيم إما بحكم المشيئة أو بحكم المصلحة ، وتأخير هذا الأمر إلى يوم القيامة ، فلهذا قال: { إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيدُ } أي إنه يخلق خلقه ثم يفنيهم ثم يعيدهم أحياء ليجازيهم في القيامة ، فدل الإمهال لهذا السبب لا لأجل الإهمال ، قال ابن عباس: إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحمًا ثم يعيدهم خلقًا جديدًا ، فذاك هو المراد من قوله: { إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيدُ } .
ثم قال لتأكيد الوعد: { وَهُوَ الغفور الودود } فذكر من صفات جلاله وكبريائه خمسة:
أولها: الغفور قالت المعتزلة: هو الغفور لمن تاب ، وقال أصحابنا: إنه غفور مطلقًا لمن تاب ولمن لم يتب لقوله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء: 48 ] ولأن غفران التائب واجب وأداء الواجب لا يوجب التمدح والآية مذكورة في معرض التمدح وثانيها: الودود وفيه أقوال: أحدها: المحب هذا قول أكثر المفسرين ، وهو مطابق للدلائل العقلية ، فإن الخير مقتضى بالذات والشر بالعرض ، ولا بد أن يكون الشر أقل من الخير فالغالب لا بد وأن يكون خيرًا فيكون محبوبًا بالذات وثانيها: قال الكلبي: الودود هو المتودد إلى أوليائه بالمغفرة والجزاء ، والقول هو الأول وثالثها: قال الأزهري: قال بعض أهل اللغة يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى مفعول كركوب وحلوب ، ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه لما عرفوا من كماله في ذاته وصفاته وأفعاله ، قال: وكلتا الصفتين مدح لأنه جل ذكره إذا أحب عباده المطيعين فهو فضل منه ، وإن أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه . ورابعها: قال القفال: قيل الودود قد يكون بمعنى الحليم من قولهم: دابة ودود وهي المطيعة القياد التي كيف عطفتها انعطفت وأنشد قطرب:
وأعددت للحرب خيفانة ... ذلول القياد وقاحا ودودا
وثالثها: ذو العرش ، قال القفال: ذو العرش أي ذو الملك والسلطان كما يقال: فلان على سرير ملكه ، وإن لم يكن على السرير ، وكما يقال: ثل عرش فلان إذا ذهب سلطانه ، وهذا معنى متفق على صحته ، وقد يجوز أن يكون المراد بالعرش السرير ، ويكون جل جلاله خلق سريرًا في سمائه في غاية العظمة والجلالة بحيث لا يعلم عظمته إلا هو ومن يطلعه عليه ورابعها: المجيد ، وفيه قراءتان إحداهما: الرفع فيكون ذلك صفة لله سبحانه ، وهو اختيار أكثر القراء والمفسرين لأن المجد من صفات التعالي والجلال ، وذلك لا يليق إلا بالله سبحانه ، والفصل والاعتراض بين الصفة والموصوف في هذا النحو غير ممتنع والقراءة الثانية: بالخفض وهي قراءة حمزة والكسائي ، فيكون ذلك صفة العرش ، وهؤلاء قالوا: القرآن دل على أنه يجوز وصف غير الله بالمجيد حيث قال: