فهرس الكتاب

الصفحة 8107 من 8321

ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال بعضهم: اقرأ أولًا لنفسك ، والثاني للتبليغ أو الأول للتعلم من جبريل والثاني للتعليم أو اقرأ في صلاتك ، والثاني خارج صلاتك .

المسألة الثانية: الكرم إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فمن يهب السكين ممن يقتل به نفسه فهو ليس بكريم ، ومن أعطى ثم طلب عوضًا فهو ليس بكريم ، وليس يجب أن يكون العوض عينًا بل المدح والثواب والتخلص عن المذمة كله عوض ، ولهذا قال أصحابنا: إنه تعالى يستحيل أن يفعل فعلًا لغرض لأنه لو فعل فعلًا لغرض لكان حصول ذلك الغرض أولى له من لا حصوله ، فحينئذ يستفيد بفعل ذلك الشيء حصول تلك الأولوية ، ولو لم يفعل ذلك الفعل لما كان يحصل له تلك الأولوية ، فيكون ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره وذلك محال ، ثم ذكروا في بيان أكرميته تعالى وجوهًا أحدها: أنه كم من كريم يحلم وقت الجناية ، لكنه لا يبقى إحسانه على الوجه الذي كان قبل الجناية ، وهو تعالى أكرم لأنه يزيد بإحسانه بعد الجناية ، ومنه قول القائل:

متى زدت تقصيرًا تزد لي تفضلًا ... كأني بالتقصير أستوجب الفضلا

وثانيها: إنك كريم لكن ربك أكرم وكيف لا وكل كريم ينال بكرمه نفعًا إما مدحًا أو ثوابًا أو يدفع ضررًا . أما أنا فالأكرم إذ لا أفعله إلا لمحض الكرم وثالثها: أنه الأكرم لأن له الابتداء في كل كرم وإحسان وكرمه غير مشوب بالتقصير ورابعها: يحتمل أن يكون هذا حثًا على القراءة أي هذا الأكرم لأنه يجازيك بكل حرف عشرًا أو حثًا على الإخلاص ، أي لا تقرأ لطمع ولكن لأجلي ودع عليَّ أمرك فأنا أكرم من أن لا أعطيك ما لا يخطر ببالك ، ويحتمل أن المعنى تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحدًا فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشاق ثم لا أنصرك .

المسألة الثالثة: أنه سبحانه وصف نفسه بأنه: خلق الإنسان من علق وثانيًا بأنه علقة وهي بالقلم ، ولا مناسبة في الظاهر بين الأمرين ، لكن التحقيق أن أول أحوال الإنسان كونه علقة وهي أخس الأشياء وآخر أمره هو صيرورته عالمًا بحقائق الأشياء ، وهو أشرف مراتب المخلوقات فكأنه تعالى يقول: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب فلا بد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة ، ثم فيه تنبيه على أن العلم أشرف الصفات الإنسانية ، كأنه تعالى يقول: الإيجاد والإحياء والإقدار والرزق كرم وربوبية ، أما الأكرم هو الذي أعطاك العلم لأن العلم هو النهاية في الشرف .

المسألة الرابعة: قوله: { باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ } إشارة إلى الدلالة العقلية الدالة على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة ، وقوله: { الذى عَلَّمَّ بالقلم } إشارة إلى الأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع ، فالأول كأنه إشارة إلى معرفة الربوبية والثاني إلى النبوة ، وقدم الأول على الثاني تنبيهًا على أن معرفة الربوبية غنية عن النبوة ، وأما النبوة فإنها محتاجة إلى معرفة الربوبية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت