فهرس الكتاب

الصفحة 7223 من 8321

قوله: { يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارجعوا وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُورًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: { يَوْمَ يَقُولُ } ، بدل من { يَوْمَ تَرَى } [ الحديد: 12 ] ، أو هو أيضًا منصوب باذكر تقديرًا .

المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده ( أنظرونا ) مكسورة الظاء ، والباقون ( أنظروا ) ، قال أبو علي الفارسي لفظ النظر يستعمل على ضروب أحدها: أن تريد به نظرت إلى الشيء ، فيحذف الجار ويوصل الفعل ، كما أنشد أبو الحسن:

ظاهرات الجمال والحسن ينظرن ... كما ينظر الأراك الظباء

والمعنى ينظرن إلى الأراك وثانيها: أن تريد به تأملت وتدبرت ، ومنه قولك: إذهب فانظر زيدًا أيؤمن ، فهذا يراد به التأمل ، ومنه قوله تعالى: { انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال } [ الأسراء: 48 ] ، { انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } [ النساء: 50 ] ، { انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } [ الإسراء: 21 ] قال: وقد يتعدى هذا بإلى كقوله: { أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ } [ الغاشية: 17 ] وهذا نص على التأمل ، وبين وجه الحكمة فيه ، وقد يتعدى بفي ، كقوله: { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السموات والأرض } [ الأعراف: 185 ] ، { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ } [ الروم: 8 ] وثالثها: أن يراد بالنظر الرؤية كما في قوله:

ولما بدا حوران والآل دونه ... نظرت فلم تنظر بعينك منظرًا

والمعنى نظرت ، فلم تر بعينك منظرًا تعرفه في الآل قال: إلا أن هذا على سبيل المجاز ، لأنه دلت الدلائل على أن النظر عبارة عن تقلب الحدقة نحو المرئي التماسًا لرؤيته ، فلما كانت الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالبًا أجرى على الرؤية لفظ النظر على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب قال: ويجوز أن يكون قوله: نظرت فلم تنظر ، كما يقال: تكلمت وما تكلمت ، أي ما تكلمت بكلام مفيد ، فكذا هنا نظرت وما نظرت نظرًا مفيدًا ورابعها: أن يكون النظر بمعنى الانتظار ، ومنه قوله تعالى: { إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاه } [ الأحزاب: 53 ] أي غير منتظرين إدراكه وبلوغه ، وعلى هذا الوجه يكون نظرت معناه انتظرت ، ومجيء فعلت وافتعلت بمعنى واحد كثير ، كقولهم: شويت واشتويت ، وحقرت واحتقرت ، إذا عرفت هذا فقوله: { انظرونا } يحتمل وجهين الأول: أنظرونا ، أي انتظرونا ، لأنه يسرع بالمؤمنين إلى الجنة كالبروق الخاطفة ، والمنافقون مشاة والثاني: أنظرونا أي أنظروا إلينا ، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم ، والنور بين أيديهم فيستضيئون به ، وأما قراءة ( أنظرونا ) مكسورة الظاء فهي من النظرة والإمهال ، ومنه قوله تعالى: { أَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [ الحجر: 36 ] وأمر رسول الله A بإنظار المعسر ، والمعنى أنه جعل اتئادهم في المشي إلى أن يلحقوا بهم إنظارًا لهم .

واعلم أن أبا عبيدة والأخفش كانا يطعنان في حصة هذه القراءة ، وقد ظهر الآن وجه صحتها .

المسألة الثالثة: اعلم أن الاحتمالات في هذا الباب ثلاثة أحدها: أن يكون الناس كلهم في الظلمات ، ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار ، والمنافقون يطلبونها منهم وثانيها: أن تكون الناس كلهم في الأنوار ، ثم إن المؤمنين يكونون في الجنات فيمرون سريعًا ، والمنافقون يبقون وراءهم فيطلبون منهم الانتظار وثالثها: أن يكون المؤمنون في النور والمنافقون في الظلمات ، ثم المنافقون يطلبون النور مع المؤمنين ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الاحتمالات قوم ، فإن كانت هذه الحالة إنما تقع عند الموقف ، فالمراد من قوله: { انظرونا } انظروا إلينا ، لأنهم إذا نظروا إليهم ، فقد أقبلوا عليهم ، ومتى أقبلوا عليهم وكانت أنوارهم من قدامهم استضاءوا بتلك الأنوار ، وإن كانت هذه الحالة إنما تقع عند مسير المؤمنين إلى الجنة ، كان المراد من قوله: { انظرونا } يحتمل أن يكون هو الانتظار وأن يكون النظر إليهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت