المسألة الرابعة: القبس: الشعلة من النار أو السراج ، والمنافقون طمعوا في شيء من أنوار المؤمنين أن يقتبسوه كاقتباس نيران الدنيا وهو منهم جهل ، لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا ، فلما لم توجد تلك الأعمال في الدنيا امتنع حصول تلك الأنوار في الآخرة ، قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نورًا على قدر عمله ، ثم إنه يؤخذ من حر جهنم ومما فيه من الكلاليب والحسك ويلقى على الطريق ، فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر ، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء ، ثم على ذلك تغشاهم ظلمة فتطفىء نور المنافقين ، فهنالك يقول المنافقون للمؤمنين: { انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } كقبس النار .
المسألة الخامسة: ذكروا في المراد من قوله تعالى: { قِيلَ ارجعوا وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُورًا } وجوهًا أحدها: أن المراد منه: ارجعوا إلى دار الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هنالك ، فإن هذه الأنوار إنما تتولد من اكتساب المعارف الإلهية ، والأخلاق الفاضلة والتنزه عن الجهل والأخلاق الذميمة ، والمراد من ضرب السور ، هو امتناع العود إلى الدنيا وثانيها: قال أبو أمامة: الناس يكونون في ظلمة شديدة ، ثم المؤمنون يعطون الأنوار ، فإذا أسرع المؤمن في الذهاب قال المنافق: { انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } فيقال لهم: { ارجعوا وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُورًا } قال: وهي خدعة خدع بها المنافقون ، كما قال: { يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء: 142 ] فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئًا ، فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروبًا بينهم وبين المؤمنين وثالثها: قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين: { ارجعوا } منع المنافقين عن الاستضاءة ، كقول الرجل لمن يريد القرب منه: وراءك أوسع لك ، فعلى هذا القول المقصود من قوله: { ارجعوا } أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب ألبتة ، لا أنه أمر لهم بالرجوع .
قوله تعالى: { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وظاهره مِن قِبَلِهِ العذاب } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: اختلفوا في السور ، فمنهم من قال: المراد منه الحجاب والحيلولة أي المنافقون منعوا عن طلب المؤمنين ، وقال آخرون: بل المراد حائط بين الجنة والنار ، وهو قول قتادة ، وقال مجاهد: هو حجاب الأعراف .