فهرس الكتاب

الصفحة 5749 من 8321

قوله تعالى: { وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات } لما ذكر أن ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح ، لما ذكرنا غير مرة أن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضًا ، ويذكر لأضراره سببًا لئلا يتوهم به الظلم فقال: { يُرْسِلَ الرياح مبشرات } قيل بالمطر كما قال تعالى: { بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } [ الأعراف: 57 ] أي قبل المطر ويمكن أن يقال مبشرات بصلاح الأهوية والأحوال ، فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد .

ثم قال تعالى: { وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ } عطف على ما ذكرنا ، أي ليبشركم بصلاح الهواء وصحة الأبدان { وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ } بالمطر ، وقد ذكرنا أن الإذاقة تقال في القليل ، ولما كان أمر الدنيا قليلًا وراحتها نزر قال: { وَلِيُذِيقَكُمْ } ، وأما في الآخرة فيرزقهم ويوسع عليهم ويديم لهم { وَلِتَجْرِىَ الفلك بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تُشْرِكُونَ } لما أسند الفعل إلى الفلك عقبه بقوله: { بِأَمْرِهِ } أي الفعل ظاهرًا عليه ولكنه بأمر الله ، ولذلك لما قال: { وَلِتَبْتَغُواْ } مسندًا إلى العباد ذكر بعده { مِن فَضْلِهِ } أي لا استقلال لشيء بشيء وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: في الترتيب فنقول في الرياح فوائد ، منها إصلاح الهواء ، ومنها إثارة السحاب ، ومنها جريان الفلك بها فقال: { مبشرات } بإصلاح الهواء فإن إصلاح الهواء يوجد من نفس الهبوب ثم الأمطار بعده ، ثم جريان الفلك فإنه موقوف على اختبار من الآدمي بإصلاح السفن وإلقائها على البحر ثم ابتغاء الفضل بركوبها .

المسألة الثانية: قال في قوله تعالى: { ظَهَرَ الفساد . . . لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذى عَمِلُواْ } [ الروم: 41 ] وقال ههنا { وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ } فخاطب ههنا تشريفًا ولأن رحمته قريبًا من المحسنين فالمحسن قريب فيخاطب والمسيء بعيد فلم يخاطبهم ، وأيضًا قال هناك بعض الذي علموا وقال ههنا { مّن رَّحْمَتِهِ } فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته وفيه معنيان: أحدهما: ما ذكرنا أن الكريم لا يذكر لإحسانه ورحمته عوضًا ، وإن وجد فلا يقول أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول هذا لك مني . وأما ما فعلت من الحسنة فجزاؤه بعد عندي وثانيهما: أن ما يكون بسبب فعل العبد قليل ، فلو قال أرسلت الرياح بسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة ، وأما إذا قال { مّن رَّحْمَتِهِ } كان غاية البشارة ، ومعنى ثالث وهو أنه لو قال بما فعلتم لكان ذلك موهمًا لنقصان ثوابهم في الآخرة ، وأما في حق الكفار فإذا قال بما فعلتم ينبىء عن نقصان عقابهم وهو كذلك .

المسألة الثالثة: قال هناك { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وقال ههنا { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } قالوا وإشارة إلى أن توفيقهم للشكر من النعم فعطف على النعم .

المسألة الرابعة: إنما أخر هذه الآية لأن في الآيات التي قد سبق ذكرها قلنا إنه ذكر من كل باب آيتين فذكر من المنذرات { يُرِيكُمُ البرق } والحادث في الجو في أكثر الأمر نار وريح فذكر الرياح ههنا تذكيرًا وتقريرًا للدلائل ، ولما كانت الريح فيها فائدة غير المطر وليس في البرق فائدة إن لم يكن مطر ذكر هناك خوفًا وطمعًا ، أي قد يكون وقد لا يكون وذكر ههنا { مبشرات } لأن تعديل الهواء أو تصفيته بالريح أمر لازم ، وحكمه به حكم جازم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت