فهرس الكتاب

الصفحة 4656 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن قوله تعالى: { وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } معطوف على قوله: { لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ } [ الكهف: 2 ] والمعطوف يجب كونه مغايرًا للمعطوف عليه فالأول عام في حق كل من استحق العذاب . والثاني خاص بمن أثبت لله ولدًا ، وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيهًا على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي كقوله تعالى: { وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة: 98 ] فكذا ههنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى .

المسألة الثانية: الذين أثبتوا الولد لله تعالى ثلاث طوائف . أحدها: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله . وثانيها: النصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله . وثالثها: اليهود الذين قالوا: عزيز ابن الله ، والكلام في أن إثبات الولد لله كفر عظيم ويلزم منه محالات عظيمة قد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: { وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ الأنعام: 100 ] وتمامه مذكور في سورة مريم ، ثم إنه تعالى أنكر على القائلين بإثبات الولد لله تعالى من وجهين . الأول: قوله: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبائهم } فإن قيل اتخاذ الله ولدًا محال في نفسه فكيف قيل { ما لهم به من علم } ؟ قلنا: انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه ، وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به . ونظيره قوله: { وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } [ المؤمنون: 117 ] واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية فقالوا: هذه الآية تدل على أن القول في الدين بغير علم باطل ، والقول بالقياس الظني قول في الدين بغير علم فيكون باطلًا وتمام تقريره مذكور في قوله: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإسراء: 36 ] وقوله: { وَلاَ لآبائهم } أي ولا أحد من أسلافهم ، وهذا مبالغة في كون تلك المقالة باطلة فاسدة . النوع الثاني: مما ذكره الله في إبطاله قوله: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } وفيه مباحث:

البحث الأول: قرىء: { كَبُرَتْ كَلِمَةً } بالنصب على التمييز وبالرفع على الفاعلية ، قال الواحدي ومعنى التمييز أنك إذا قلت كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذبًا أو جهلًا أو افتراء ، فلما قلت كلمة ميزتها من محتملاتها فانتصبت على التمييز والتقدير كبرت الكلمة كلمة فحصل فيه الإضمار ، أما من رفع فلم يضمر شيئًا كما تقول عظم فلان فلذلك قال النحويون والنصب أقوى وأبلغ ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل ما أكبرها كلمة .

البحث الثاني: قوله: { كَبُرَتْ } أي كبرت الكلمة . والمراد من هذه الكلمة ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله: { قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } فصارت مضمرة في كبرت وسميت كلمة كما يسمون القصيدة كلمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت