فهرس الكتاب

الصفحة 8230 من 8321

ثم قال تعالى: { فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه أحدها: أنه لا يفعل إيذاء اليتيم والمنع من الإطعام دليلًا على النفاق فالصلاة لا مع الخضوع والخضوع أولى أن تدل على النفاق ، لأن الإيذاء والمنع من النفع معاملة مع المخلوق ، أما الصلاة فإنها خدمة للخالق ، وثانيها: كأنه لما ذكر إيذاء اليتيم وتركه للحض كأن سائلًا قال: أليس إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ فقال له: الصلاة كيف تنهاه عن هذا الفعل المنكر وهي مصنوعة من عين الرياء والسهو وثالثها: كأنه يقول: إقدامه على إيذاء اليتيم وتركه للحض ، تقصير فيما يرجع إلى الشفقة على خلق الله ، وسهوه في الصلاة تقصير فيما يرجع إلى التعظيم لأمر الله ، فلما وقع التقصير في الأمرين فقد كملت شقاوته ، فلهذا قال: { فَوَيْلٌ } واعلم أن هذا اللفظ إنما يستعمل عند الجريمة الشديدة كقوله: { وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ } [ المطففين: 1 ] { فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } [ البقرة: 79 ] { وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } [ الهمزة: 1 ] ويروى أن كل أحد ينوح في النار بحسب جريمته ، فقائل يقول: ويلي من حب الشرف ، وآخر يقول: ويلي من الحمية الجاهلية ، وآخر يقول: ويلي من صلاتي ، فلهذا يستحب عند سماع مثل الآية ، أن يقول: المرء ويلي إن لم يغفر لي .

المسألة الثانية: الآية دالة على حصول التهديد العظيم بفعل ثلاثة أمور أحدها: السهو عن الصلاة وثانيها: فعل المراءاة وثالثها: منع الماعون ، وكل ذلك من باب الذنوب ، ولا يصير المرء به منافقًا فلم حكم الله بمثل هذا الوعيد على فاعل هذه الأفعال؟ ولأجل هذا الإشكال ذكر المفسرون فيه وجوهًا أحدها: أن قوله: { فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ } أي فويل للمصلين من المنافقين الذين يأتون بهذه الأفعال ، وعلى هذا التقدير تدل الآية على أن الكافر له مزيد عقوبة بسبب إقدامه على محظورات الشرع وتركه لواجبات الشرع ، وهو يدل على صحة قول الشافعي: إن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ، وهذا الجواب هو المعتمد وثانيها: ما رواه عطاء عن ابن عباس أنه لو قال الله: في صلاتهم ساهون ، لكان هذا الوعيد في المؤمنين لكنه قال: { عَن صلاتهم سَاهُونَ } والساهي عن الصلاة هو الذي لا يتذكرها ويكون فارغًا عنها ، وهذا القول ضعيف لأن السهو عن الصلاة لا يجوز أن يكون مفسرًا بترك الصلاة ، لأنه تعالى أثبت لهم الصلاة بقوله: { فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ } وأيضًا فالسهو عن الصلاة بمعنى الترك لا يكون نفاقًا ولا كفرًا فيعود الإشكال ، ويمكن أن يجاب عن الاعتراض الأول بأنه تعالى حكم عليهم بكونهم مضلين نظرًا إلى الصورة وبأنهم نسوا الصلاة بالكلية نظرًا إلى المعنى كما قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت