فهرس الكتاب

الصفحة 7889 من 8321

اعلم أنه سبحانه لما أخبر في الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر في هذه الآية ما يدل عقلًا على إمكانه أو على وقوعه ، وذلك من وجهين الأول: أن الإله الكريم الذي لا يجوز من كرمه أن يقطع موائد نعمه عن المذنبين ، كيف يجوز في كرمه أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم؟ الثاني: أن القادر الذي خلق هذه البنية الإنسانية ثم سواها وعدلها ، إما أن يقال: إنه خلقها لا لحكمة أو لحكمة ، فإن خلقها لا لحكمة كان ذلك عبثًا ، وهو غير جائز على الحكيم ، وإن خلقها لحكمة ، فتلك الحكمة ، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد ، والأول باطل لأنه سبحانه متعال عن الاستكمال والانتفاع . فتعين الثاني ، وهو أنه خلق الخلق لحكمة عائدة إلى العبد ، وتلك الحكمة إما أن تظهر في الدنيا أو في دار سوى الدنيا . والأول باطل لأن الدنيا دار بلاء وامتحان ، لا دار الانتفاع والجزاء ، ولما بطل كل ذلك ثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى ، فثبت أن الاعتراف بوجود الإله الكريم الذي يقدر على الخلق والتسوية والتعديل يوجب على العاقل أن يقطع بأنه سبحانه يبعث الأموات ويحشرهم ، وذلك يمنعهم من الاعتراف بعدم الحشر والنشر ، وهذا الاستدلال هو الذي ذكر بعينه في سورة التين حيث قال: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين: 4 ] إلى أن قال: { فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بالدين } [ التين: 7 ] وهذه المحاجة تصلح مع العرب الذين كانوا مقرين بالصانع وينكرون الإعادة ، وتصلح أيضًا مع من ينفي الإبتداء والإعادة معًا ، لأن الخلق المعدل يدل على الصانع وبواسطته يدل على صحة القول بالحشر والنشر ، فإن قيل: بناء هذا الاستدلال على أنه تعالى حكيم ، ولذلك قال في سورة التين بعد هذا الاستدلال: { أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين } [ التين: 8 ] فكان يجب أن يقول في هذه السورة: ما غرك بربك الحكيم الجواب: أن الكريم يجب أن يكون حكيمًا ، لأن إيصال النعمة إلى الغير لو لم يكن مبنيًا على داعية الحكمة لكان ذلك تبذيرًا لا كرمًا . أما إذا كان مبنيًا على داعية الحكمة فحينئذ يسمى كرمًا ، إذا ثبت هذا فنقول: كونه كريمًا يدل على وقوع الحشر من وجهين كما قررناه ، أما كونه حكيمًا فإنه يدل على وقوع الحشر من هذا الوجه الثاني ، فكان ذكر الكريم ههنا أولى من ذكر الحكيم ، هذا هو تمام الكلام في كيفية النظم ، ولنرجع إلى التفسير . أما قوله: { يا أيها الإنسانُ } ففيه قولان: أحدهما: أنه الكافر ، لقوله من بعد ذلك: { كَلاَّ بَلْ تُكَذّبُونَ بالدين } [ الإنفطار: 9 ] وقال عطاء عن ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة ، وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في ابن الأسد بن كلدة بن أسيد وذلك أنه ضرب النبي A فلم يعاقبه الله تعالى ، وأنزل هذه الآية والقول الثاني: أنه يتناول جميع العصاة وهو الأقرب ، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت