فهرس الكتاب

الصفحة 7890 من 8321

أما قوله: { مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم } فالمراد الذي خدعك وسول لك الباطل حتى تركت الواجبات وأتيت بالمحرمات ، والمعنى ما الذي أمنك من عقابه ، يقال: غره بفلان إذا أمنه المحذور من جهته مع أنه غير مأمون ، وهو كقوله: { لا يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور } [ لقمان: 33 ] هذا إذا حملنا قوله: { يا أيها الإنسانُ } على جميع العصاة ، وأما إذا حملناه على الكافر ، فالمعنى ما الذي دعاك إلى الكفر والجحد بالرسل ، وإنكار الحشر والنشر ، وههنا سؤالات:

الأول: أن كونه كريمًا يقتضي أن يغتر الإنسان بكرمه بدليل المعقول والمنقول ، أما المعقول فهو أن الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فلما كان الحق تعالى جوادًا مطلقًا لم يكن مستعيضًا ، ومتى كان كذلك استوى عنده طاعة المطيعين ، وعصيان المذنبين ، وهذا يوجب الاغترار لأنه من البعيد أن يقدم الغني على إيلام الضعيف من غير فائدة أصلًا ، وأما المنقول فما روي عن علي عليه السلام ، أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه ، فنظر فإذا هو بالباب ، فقال له: لم لم تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك ، وأمني من عقوبتك ، فاستحسن جوابه ، وأعتقه ، وقالوا أيضًا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه ، ولما ثبت أن كرمه يقتضي الاغترار به ، فكيف جعله ههنا مانعًا من الاغترار به؟ والجواب: من وجوه أحدها: أن معنى الآية أنك لماكنت ترى حلم الله على خلقه ظننت أن ذلك لأنه لا حساب ولا دار إلا هذه الدار ، فما الذي دعاك إلى هذا الاغترار ، وجرأك على إنكار الحشر والنشر؟ فإن ربك كريم ، فهو لكرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطًا في مدة التوبة ، وتأخيرًا للجزاء إلى أن يجمع الناس في الدار التي جعلها لهم للجزاء ، فالحاصل أن ترك المعاجلة بالعقوبة لأجل الكرم ، وذلك لا يقتضي الاغترار بأنه لا دار بعد هذه الدار وثالثها: أن كرمه لما بلغ إلى حيث لا يمنع من العاصي موائد لطفه ، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم ، كان أولى فإذن كونه كريمًا يقتضي الخوف الشديد من هذا الاعتبار ، وترك الجراءة والاغترار وثالثها: أن كثرة الكرم توجب الجد والاجتهاد في الخدمة والاستحياء من الاغترار والتواني ورابعها: قال بعض الناس: إنما قال: { بِرَبّكَ الكريم } ليكون ذلك جوابًا عن ذلك السؤال حتى يقول غرني كرمك ، ولولا كرمك لما فعلت لأنك رأيت فسترت ، وقدرت فأمهلت ، وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد من قوله: { يا أيها الإنسانُ } ليس الكافر .

السؤال الثاني: ما الذي ذكره المفسرون في سبب هذا الاغترار؟ قلنا وجوه: أحدها: قال قتادة: سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان له وثانيها: قال الحسن: غره حمقه وجهله وثالثها: قال مقاتل: غره عفو الله عنه حين لم يعاقبه في أول أمره ، وقيل: للفضيل بن عياض إذا أقامك الله يوم القيامة ، وقال لك: { مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم } ماذا تقول؟ قال: أقول غرتني ستورك المرخاة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت