فهرس الكتاب

الصفحة 2784 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: في وجه النظم قولان: الأول: أنه تعالى بين من حال الكفار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كأن قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول الإيمان بقوله { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ والموتى يَبْعَثُهُمُ الله } [ الأنعام: 36 ] فذكر هذه الآية تقريرًا لذلك المعنى الثاني أنه تعالى لما ذكر في قوله { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم } [ الأنعام: 38 ] في كونها دالة على كونها تحت تدبير مدبر قديم وتحت تقدير مقدر حكيم ، وفي أن عناية الله محيطة بهم ، ورحمته واصلة إليهم ، قال بعده والمكذبون لهذه الدلائل والمنكرون لهذه العجائب صم لا يسمعون كلامًا ألبتة ، بكم لا ينطقون بالحق ، خائضون في ظلمات الكفر ، غافلون عن تأمل هذه الدلائل .

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال ليس إلا من الله تعالى . وتقريره أنه تعالى وصفهم بكونهم صمًا وبكمًا وبكونهم في الظلمات وهو إشارة إلى كونهم عميًا فهو بعينه نظير قوله في سورة البقرة { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } [ البقرة: 18 ] .

ثم قال تعالى: { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو صريح في أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى . قالت المعتزلة: الجواب عن هذا من وجوه:

الوجه الأول: قال الجبائي معناه أنه تعالى يجعلهم صمًا وبكمًا يوم القيامة عند الحشر . ويكونون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صمًا وبكمًا في الظلمات ، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن طريقها ويصيرهم إلى النار ، وأكد القاضي هذا القول بأنه تعالى بين في سائر الآيات أنه يحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا مأواهم جهنم .

والوجه الثاني: قال الجبائي أيضًا ويحتمل أنهم كذلك في الدنيا ، فيكون توسعًا من حيث جعلوا بتكذيبهم بآيات الله تعالى في الظلمات لا يهتدون إلى منافع الدين ، كالصم والبكم الذين لا يهتدون إلى منافع الدنيا . فشبههم من هذا الوجه بهم ، وأجرى عليهم مثل صفاتهم على سبيل التشبيه .

والوجه الثالث: قال الكعبي قوله { صُمٌّ وَبُكْمٌ } محمول على الشتم والإهانة ، لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة . وأما قوله تعالى: { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } فقال الكعبي: ليس هذا على سبيل المجاز لأنه تعالى وإن أجمل القول فيه هاهنا ، فقد فصله في سائر الآيات وهو قوله { وَيُضِلُّ الله الظالمين } [ إبراهيم: 27 ] وقوله { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } [ البقرة: 26 ] وقوله { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } [ محمد: 17 ] وقوله { يَهْدِى بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } [ المائدة: 16 ] وقوله { يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت } [ إبراهيم: 27 ] وقوله { والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبلنا } [ العنكبوت: 69 ] فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال وإن كانت مجملة في هذه الآية ، إلا أنها مخصصة مفصلة في سائر الآيات ، فيجب حمل هذا المجمل على تلك المفصلات ، ثم إن المعتزلة ذكروا تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل من وجوه: الأول: أن المراد من قوله { الظلمات مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } محمول على منع الألطاف فصاروا عندها كالصم والبكم . والثاني: { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } يوم القيامة عن طريق الجنة وعن وجدان الثواب ، ومن يشأ أن يهديه إلى الجنة يجعله على صراط مستقيم ، وهو الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت