فهرس الكتاب

الصفحة 3230 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين أنواع نعمه على بني إسرائيل بأن أهلك عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم أتبع ذلك بالنعمة العظمى ، وهي أن جاوز بهم البحر مع السلامة ، ولما بين تعالى في سائر السور كيف سيرهم في البحر مع السلامة ، وذلك بأن فلق البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا وجعله يبسًا بين أن بني إسرائيل لما شاهدوا قومًا يعكفون على عبادة أصنامهم ، جهلوا وارتدوا وقالوا: لموسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة ، ولا شك أن القوم لما شاهدوا المعجزات الباهرة التي أظهرها الله تعالى لموسى على فرعون ، ثم شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده ، وخص بني إسرائيل بأنواع السلامة والكرامة ثم إنهم بعد هذه المواقف والمقامات يذكرون هذا الكلام الفاسد الباطل كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف .

أما قوله تعالى: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر } يقال: جاوز الوادي . إذا قطعه وخلفه وراءه وجاوز بغيره ، عبر به وقرىء { جوزنا } بمعنى: أجزنا . يقال: أجاز المكان وجوزه بمعنى: جازه { فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ } قال الزجاج: يواظبون عليها ويلازمونها . يقال: لكل من لزم شيئًا وواظب عليه ، عكف يعكف ويعكف ، ومن هذا قيل لملازم المسجد متعكف . وقال قتادة: كان أولئك القوم من لخم ، وكانوا نزولًا بالريف . قال ابن جريج: كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول بيان قصة العجل .

ثم حكى تعالى عنهم أنهم { قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } واعلم أن من المستحيل أن يقول العاقل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة وخالقًا ومدبرًا ، لأن الذي يحصل بجعل موسى وتقديره: لا يمكن أن يكون خالقًا للعالم ومدبرًا له ، ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل والأقرب أنهم طلبوا من موسى عليه السلام أن يعين لهم أصنامًا وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى ، وهذا القول هو الذي حكاه الله تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } [ الزمر: 3 ] .

إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول: لم كان هذا القول كفرًا؟ فنقول: أجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر ، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهًا للعالم ، أو اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى لأن العبادة نهاية التعظيم ، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام .

فإن قيل: فهذا القول صدر من كل بني إسرائيل أو من بعضهم؟

قلنا: بل من بعضهم ، لأنه كان مع موسى عليه السلام السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل .

ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه أجابهم فقال: { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } وتقرير هذا الجهل ما ذكر أن العبادة غاية التعظيم ، فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام ، وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل ، وخلق الأشياء المنتفع بها ، والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى ، فوجب أن لا تليق العبادة إلا به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت