فهرس الكتاب

الصفحة 5763 من 8321

لما بين حال من إذا تتلى عليه الآيات ولى ، بين حال من يقبل على تلك الآيات ويقبلها وكما أن ذلك له مراتب من التولية والاستكبار ، فهذا له مراتب من الإقبال والقبول والعمل به ، فإن من سمع شيئًا وقبله قد لا يعمل به فلا تكون درجته مثل من يسمع ويطيع ثم إن هذا له جنات النعيم ولذلك عذاب مهين وفيه لطائف: إحداها: توحيد العذاب وجمع الجنات إشارة إلى أن الرحمة واسعة أكثر من الغضب الثانية: تنكير العذاب وتعريف الجنة بالإضافة إلى المعرف إشارة إلى أن الرحيم يبين النعمة ويعرفها إيصالًا للراحة إلى القلب ، ولا يبين النقمة ، وإنما ينبه عليها تنبيهًا الثالثة: قال عذاب ، ولم يصرح بأنهم فيه خالدون ، وإنما أشار إلى الخلود بقوله: { مُّهِينٌ } وصرح في الثواب بالخلود بقوله: { خالدين فِيهَا } ، الرابعة: أكد ذلك بقوله: { وَعْدَ الله حَقّا } ولم يذكره هناك الخامسة: قال هناك لغيره { فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ } وقال ههنا بنفسه { وَعَدَ الله } ، ثم لم يقل أبشركم به لأن البشارة لا تكون إلا بأعظم ما يكون ، لكن الجنة دون ما يكون للصالحين بشارة من الله ، وإنما تكون بشارتهم منه برحمته ورضوانه كما قال تعالى: { يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيم } [ التوبة: 21 ] ولولا قوله: { مِنْهُ } لما عظمت البشارة ، ولو كانت { مِنْهُ } مقرونة بأمر دون الجنة لكان ذلك فوق الجنة من غير إضافة فإن قيل فقد بشر بنفس الجنة بقوله: { وَأَبْشِرُواْ بالجنة التى كُنتُمْ تُوعَدُون } [ فصلت: 30 ] نقول البشارة هناك لم تكن بالجنة وحدها ، بل بها وبما ذكر بعدها إلى قوله تعالى: { نُزُلًا مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } [ فصلت: 32 ] والنزل ما يهيأ عند النزول والإكرام العظيم بعده { وَهُوَ العزيز الحكيم } كامل القدرة يعذب المعرض ويثيب المقبل ، كامل العلم يفعل الأفعال كما ينبغي ، فلا يعذب من يؤمن ولا يثيب من يكفر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت