وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: في { النسىء } قولان:
القول الأول: أنه التأخير . قال أبو زيد: نسأت الإبل عن الحوض أنسأها نسأ إذا أخرتها وأنسأته إنساء إذا أخرته عنه ، والاسم النسيئة والنسء ، ومنه: أنسأ الله فلانًا أجله ، ونسأ في أجله قال أبو علي الفارسي: النسىء مصدر كالنذير والنكير ، ويحتمل أيضًا أن يكون نسىء بمعنى منسوء كقتيل: بمعنى مقتول ، إلا أنه لا يمكن أن يكون المراد منه ههنا المفعول ، لأنه إن حمل على ذلك كان معناه: إنما المؤخر زيادة في الكفر ، والمؤخر الشهر ، فيلزم كون الشهر كفرًا ، وذلك باطل ، بل المراد من النسيء ههنا المصدر بمعنى الإنساء ، وهو التأخير . وكان النسىء في الشهور عبارة عن تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر ، ليست له تلك الحرمة . وروي عن ابن كثير من طريق شبل: النسء بوزن النفع وهو المصدر الحقيقي ، كقولهم: نسأت ، أي أخرت وروي عنه أيضًا: النسىء مخففة الياء ، ولعله لغة في النسء بالهمزة مثل: أرجيت وأرجأت . وروي عنه: النسي مشدد الياء بغير همزة وهذا على التخفيف القياسي .
والقول الثاني: قال قطرب: النسىء أصله من الزيادة يقال: نسأل في الأجل وأنسأ إذا زاد فيه ، وكذلك قيل للبن النسء لزيادة الماء فيه ، ونسأت المرأة حبلت ، جعل زيادة الولد فيها كزيادة الماء في اللبن ، وقيل للناقة: نسأتها ، أي زجرتها ليزداد سيرها وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسىء قال الواحدي: الصحيح القول الأول ، وهو أن أصل النسىء التأخير ، ونسأت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها ، ونسأت الناقة أي أخرتها عن غيرها ، لئلا يصير اختلاط بعضها ببعض مانعًا من حسن المسير ، ونسأت اللبن إذا أخرته حتى كثر الماء فيه .
إذا عرفت هذين القولين فنقول: إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية ، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء ، وكان يشق عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات ، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة ، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية ، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين ، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران: أحدهما: أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرًا بسبب اجتماع تلك الزيادات . والثاني: أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره ، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر ، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى إلى ذي الحجة ، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران: أحدهما: الزيادة في عدة الشهور . والثاني: تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر وقد بينا أن لفظ النسىء يفيد التأخير عند الأكثرين ، ويفيد الزيادة عند الباقين ، وعلى التقديرين فإنه منطبق على هذين الأمرين .