{ الحج أَشْهُرٌ معلومات فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج } [ البقرة: 197 ] فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضًا ، إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيهًا على زيادتها في الشرف . الثالث: قال الفراء: الأولى رجوعها إلى الأربعة ، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة { فِيهِنَّ } فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها: والأصل فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ، ويكنى عن جمع الكثرة ، كما يكنى عن واحدة مؤنثة ، كما قال حسان بن ثابت:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
قال: يلمعن ويقطرن ، لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ، ولو جمع جمع الكثرة لقال: تلمع وتقطر ، هذا هو الاختيار ، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
فقال بهن والسيوف جمع كثرة .
البحث الثاني: في تفسير هذا الظلم أقوال: الأول: المراد منه النسىء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه إلى شهر آخر ، ويغيرون تكاليف الله تعالى . والثاني: أنه نهى عن المقاتلة في هذه الأشهر . والثالث: أنه نهى عن جميع المعاصي بسبب ما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد أثر في تعظيم الثواب والعقاب ، والأقرب عندي حمله على المنع من النسىء ، لأن الله تعالى ذكره عقيب الآية .
ثم قال: { وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً } وفيه مباحث:
البحث الأول: قال الفراء: { كَافَّةً } أي جميعًا ، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال فنقول: كافين ، أو كافات للنساء ولكنها ( كَافَّةً ) بالهاء والتوحيد ، لأنها وإن كانت على لفظ فاعلة فإنها في ترتيب مصدر مثل الخاصة والعامة ، ولذلك لم تدخل العرب فيها الألف واللام ، لأنها في مذهب قولك قاموا معًا ، وقاموا جميعًا . وقال الزجاج: كافة منصوب على الحال ، ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع ، كما أنك إذا قلت: قاتلوهم عامة ، لم تثن ولم تجمع ، وكذلك خاصة .
البحث الثاني: في قوله: { كَافَّةً } قولان: الأول: أن يكون المراد قاتلوهم بأجمعهم مجتمعين على قتالهم ، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة ، يريد تعاونوا وتناصروا على ذلك ولا تتخاذلوا ولا تتقاطعوا وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء . والثاني: قال ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال ، كما أنهم يستحلون قتال جميعكم ، والقول الأول أقرب حتى يصح قياس أحد الجانبين على الآخر .
البحث الثالث: ظاهر قوله: { قَاتَلُواْ المشركين كَافَّةً } إباحة قتالهم في جميع الأشهر ، ومن الناس من يقول: المقاتلة مع الكفار محرمة ، بدليل قوله: { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلك الدين القيم فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } أي فلا تظلموا فيهن أنفسكم باستحلال القتال والغارة فيهن ، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله: { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ } [ البقرة: 217 ] .
ثم قال: { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } يريد مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطاعات والاجتناب عن المحرمات . قال الزجاج: تأويله أنه ضامن لهم النصر .