فهرس الكتاب

الصفحة 3518 من 8321

ثم قال تعالى: { ذلك الدين القيم } وفيه بحثان:

البحث الأول: أن قوله: { ذلك } إشارة إلى قوله: { إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْرًا } لا أزيد ولا أنقص أو إلى قوله: { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } وعندي أن الأول أولى ، لأن الكفار سلموا أن أربعة منها حرم ، إلا أنهم بسبب الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهرًا ، وكانوا يغيرون مواقع الشهور ، والمقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء ، فوجب حمل اللفظ عليه .

البحث الثاني: في تفسير لفظ الدين وجوه: الأول: أن الدين قد يراد به الحساب . يقال: الكيس من دان نفسه أي حاسبها ، والقيم معناه المستقيم فتفسير الآية على هذا التقدير ، ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدل المستوفى . الثاني: قال الحسن: ذلك الدين القيم الذي لا يبدل ولا يغير ، فالقيم ههنا بمعنى القائم الذي لا يبدل ولا يغير ، الدائم الذي لا يزول ، وهو الدين الذي فطر الناس عليه . الثالث: قال بعضهم: المراد أن هذا التعبد هو الدين اللازم في الإسلام . وقال القاضي: حمل لفظ الدين على العبادة أولى من حمله على الحساب ، لأنه مجاز فيه ، ويمكن أن يقال: الأصل في لفظ الدين الانقياد . يقال: يا من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، فالحساب يسمى دينًا ، لأنه يوجب الانقياد ، والعدة تسمى دينًا ، فلم يكن حمل هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب . قال أهل العلم: الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم السنة العربية بالأهلة ، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية .

ثم قال تعالى: { فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } وفيه بحثان:

البحث الأول: الضمير في قوله: { فِيهِنَّ } فيه قولان: الأول: وهو قول ابن عباس: أن المراد: فلا تظلموا في الشهور الإثني عشر أنفسكم ، والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقًا في جميع العمر . والثاني: وهو قول الأكثرين: أن الضمير في قوله: { فِيهِنَّ } عائد إلى الأربعة الحرم قالوا: والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثرًا في زيادة الثواب على الطاعات والعقاب على المحظورات ، والدليل على أن هذا القول أولى وجوه: الأول: أن الضمير في قوله: { فِيهِنَّ } عائد إلى المذكور السابق فوجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله: { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } الثاني: أن الله تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت