فهرس الكتاب

الصفحة 3517 من 8321

وأما قوله: { يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض } فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوهًا فيما يتعلق به والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث ، وهو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم وحكم به يوم خلق السموات والأرض ، والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم ، وذلك يدل على المبالغة والتأكيد .

وأما قوله: { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } فقد أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة منها سرد ، وهي ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وواحد فرد ، وهو رجب ، ومعنى الحرم: أن المعصية فيها أشد عقابًا ، والطاعة فيها أكثر ثوابًا ، والعرب كانوا يعظمونها جدًا حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له .

فإن قيل: أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة ، فما السبب في هذا التمييز؟ .

قلنا: إن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع ، فإن أمثلته كثيرة ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة ، وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة ، وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة ، وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر ، وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلعة الرسالة . وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة ، فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة ، ثم نقول: لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرًا في طهارة النفس ، ووقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرًا في خبث النفس ، وهذا غير مستبعد عند الحكماء ، ألا ترى أن فيهم من صنف كتبًا في الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعوات ، وذكروا أن تلك الأوقات المعينة حصلت فيها أسباب توجب ذلك . وسئل النبي E: أي الصيام أفضل؟ فقال E: « أفضله بعد صيام شهر رمضان صيام شهر الله المحرم » وقال E: « من صام يومًا من أشهر الله الحرم كان له بكل يوم ثلاثون يومًا » وكثير من الفقهاء غلظوا الدية على القاتل بسبب وقوع القتل في هذه الاْشهر ، وفيه فائدة أخرى: وهي أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد وامتناعهم من هذه القبائح على الإطلاق شاق عليهم ، فالله سبحانه وتعالى خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم والاحترام ، وخص بعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام ، حتى أن الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة من القبائح والمنكرات ، وذلك يوجب أنواعًا من الفضائل والفوائد: أحدها: أن ترك تلك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب ، لأنه يقل القبائح . وثانيها: أنه لما تركها في تلك الأوقات فربما صار تركه لها في تلك الأوقات سببًا لميل طبعه إلى الإعراض عنها مطلقًا . وثالثها: أن الإنسان إذا أتى بالطاعات في تلك الأوقات وأعرض عن المعاصي فيها ، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح والمعاصي صار شروعه فيها سببًا لبطلان ما تحمله من العناء والمشقة في أداء تلك الطاعات في تلك الأوقات ، والظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بذلك فيصير ذلك سببًا لاجتنابه عن المعاصي بالكلية ، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأوقات وبعض البقاع بمزيد التعظيم والاحترام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت