فهرس الكتاب

الصفحة 4600 من 8321

اعلم أنه تعالى لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه وأتبعها بذكر درجات الخلق في الآخرة وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلامهم المشتمل على المكر والتلبيس فقال: { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن عباس في رواية عطاء نزلت هذه الآية في وفد ثقيف أتوا رسول الله A فسألوه شططًا ، وقالوا متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى ذلك رسول الله A ولم يجبهم فكرروا ذلك الالتماس ، وقالوا إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم ، فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا ، فقل: الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله A عنهم وداخلهم الطمع ، فصاح عليهم عمر وقال: أما ترون رسول الله A قد أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه؟ فأنزل الله هذه الآية ، وروى صاحب «الكشاف» أنهم جاءوا بكاتبهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله إلى ثقيف لا يعشرون ولا يحشرون ، فقالوا ولا يجبون ، فسكت رسول الله ، ثم قالوا للكاتب: اكتب ولا يجبون والكاتب ينظر إلى رسول الله A فقام عمر بن الخطاب وسل سيفه ، وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر قريش ، أسعر الله قلوبكم نارًا . فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمدًا ، فنزلت هذه الآية واعلم أن هذه القصة إنما وقعت بالمدينة فلهذا السبب قالوا إن هذه الآيات مدنية . وروى أن قريشًا قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة ، حتى نؤمن بك . فنزلت هذه الآية وقال الحسن: الكفار أخذوا رسول الله A ليلة بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها فلو كان ذلك حقًا كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك فوقع في قلب رسول الله A أن يكف عن شتم آلهتهم . وعلى هذا التقدير فهذه الآية مكية ، وعن سعيد بن جبير أنه عليه السلام كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون لا ندعك حتى تستلم آلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية ، فنزلت هذه الآية .

المسألة الثانية: قال الزجاج معنى الكلام كادوا يفتنونك ودخلت إن واللام للتأكيد وإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، والمعنى إن الشأن ( أنهم ) قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين ( و ) أصل الفتنة الاختبار يقال فتن الصائغ الذهب إذا أدخله النار وأذابه لتميز جيده من رديئه ثم استعملوه في كل من أزال الشيء عن حده وجهته فقالوا فتنه فقوله: { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } أي يزيلونك ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك يعني القرآن ، والمعنى عن حكمة وذلك لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن ، وقوله: { لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } أي غير ما أوحينا إليك وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك { وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا } أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلًا وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كونهم وراضٍ بشركهم ثم قال: { وَلَوْلاَ أَن ثبتناك } أي على الحق بعصمتنا إياك { لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ } أي تميل إليهم شيئًا قليلًا وقوله: { شَيْئًا } عبارة عن المصدر أي ركونًا قليلًا ، قال ابن عباس يريد حيث سكت عن جوابهم . قال قتادة لما نزلت هذه الآية قال النبي A:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت