فهرس الكتاب

الصفحة 3943 من 8321

اعلم أن هذا هو القصة الخامسة وهي قصة لوط عليه السلام ، واعلم أن الروع هو الخوف وهو ما أوجس من الخيفة حين أنكر أضيافه والمعنى: أنه لما زال الخوف وحصل السرور بسبب مجيء البشرى بحصول الولد ، أخذ يجادلنا في قوم لوط وجواب لما هو قوله: { أَخَذَ } إلا أنه حذف في اللفظ لدلالة الكلام عليه ، وقيل تقديره: لما ذهب عن إبراهيم الروع جادلنا .

واعلم أن قوله: { يجادلنا } أي يجادل رسلنا .

فإن قيل: هذه المجادلة إن كانت مع الله تعالى فهي جراءة على الله ، والجراءة على الله تعالى من أعظم الذنوب ، ولأن المقصود من هذه المجادلة إزالة ذلك الحكم وذلك يدل على أنه ما كان راضيًا بقضاء الله تعالى وأنه كفر وإن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضًا عجيبة ، لأن المقصود من هذه المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط ، فإن كان قد اعتقد فيهم أنهم من تلقاء أنفسهم يجادلون في هذا الإهلاك فهذا سوء ظن بهم . وإن اعتقد فيهم أنهم بأمر الله جاؤا فهذه المجادلة تقتضي أنه كان يطلب منهم مخالفة أمر الله تعالى وهذا منكر .

والجواب: من وجهين:

الوجه الأول: وهو الجواب الإجمالي أنه تعالى مدحه عقيب هذه الآية فقال: { إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } ولو كان هذا الجدل من الذنوب لما ذكر عقيبه ما يدل على المدح العظيم .

والوجه الثاني: وهو الجواب التفصيلي أن المراد من هذه المجادلة سعي إبراهيم في تأخير العذاب عنهم وتقريره من وجوه:

الوجه الأول: أن الملائكة قالوا: { إِنَاْ مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية } فقال إبراهيم: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلًا من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا . قال: فأربعون قالوا: لا . قال: فثلاثون قالوا لا . حتى بلغ العشرة قالوا: لا . قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا . فعند ذلك قال: إن فيها لوطًا وقد ذكر الله تعالى هذا في سورة العنكبوت فقال: { وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظالمين * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين } [ العنكبوت: 31 ، 32 ] .

ثم قال: { وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امرأتك } فبان بهذا أن مجادلة إبراهيم عليه السلام ، إنما كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيما بينهم .

الوجه الثاني: يحتمل أن يقال إنه عليه السلام كان يميل إلى أن تلحقهم رحمة الله بتأخير العذاب عنهم رجاء أنهم أقدموا على الإيمان والتوبة عن المعاصي ، وربما وقعت تلك المجادلات بسبب أن إبراهيم كان يقول إن أمر الله ورد بإيصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور بل يقبل التراخي فاصبروا مدة أخرى ، والملائكة كانوا يقولون إن مطلق الأمر يقبل الفور ، وقد حصلت هناك قرائن دالة على الفور ، ثم أخذ كل واحد منهم يقرر مذهبه بالوجوه المعلومة فحصلت المجادلة بهذا السبب ، وهذا الوجه عندي هو المعتمد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت