فهرس الكتاب

الصفحة 3353 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: لما رغب الله رسوله في الذكر وفي المواظبة عليه ذكر عقيبه ما يقوي دواعيه في ذلك فقال: { إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } والمعنى: أن الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وعصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والغضب ، وحوادث الحقد والحسد ، لما كانوا مواظبين على العبودية والسجود والخضوع والخشوع ، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعدًا للذات البشرية والبواعث الإنسانية أولى بالمواظبة على الطاعة ، ولهذا السبب قال عيسى عليه السلام: { وَأَوْصَانِى بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا } [ مريم: 31 ] وقال لمحمد عليه السلام: { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } [ الحجر: 99 ] .

المسألة الثانية: المشبهة تمسكوا بقوله: { إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ } وقالوا لفظ { عِندَ } مشعر بالمكان والجهة .

وجوابه أنا ذكرنا البراهين الكثيرة العقلية والنقلية في هذه السورة عند تفسير قوله: { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } [ الأعراف: 54 يونس: 3 ] على أنه يمتنع كونه تعالى حاصلًا في المكان والجهة .

وإذا ثبت هذا فنقول: وجب المصير إلى التأويل في هذه الآية وبيانه من وجوه:

الوجه الأول: أنه تعالى قال: { وَهُوَ مَعَكُمْ } [ الحديد: 4 ] ولا شك أن هذه المعية بالفضل والرحمة لا بالجهة فكذا ههنا ، وأيضًا جاء في الأخبار الربانية أنه تعالى قال: «أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي» ولا خلاف أن هذه العندية ليست لأجل المكان والجهة ، فكذا ههنا .

والوجه الثاني: إن المراد القرب بالشرف . يقال: للوزير قربة عظيمة من الأمير ، وليس المراد منه القرب بالجهة ، لأن البواب والفراش يكون أقرب إلى الملك في الجهة والحيز والمكان من الوزير ، فعلمنا أن القرب المعتبر هو القرب بالشرف لا القرب بالجهة .

والوجه الثالث: أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات .

والوجه الرابع: إنما قال تعالى في صفة الملائكة: { الذين عِندَ رَبّكَ } لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال: إن عند الخليفة جيشًا عظيمًا ، وإن كانوا متفرقين في البلد ، فكذا ههنا والله أعلم .

المسألة الثانية: تمسك أبو بكر الأصم C بهذه الآية في إثبات أن الملائكة أفضل من البشر ، لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال: { إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } والمعنى فأنت أولى وأحق بالعبادة ، وهذا الكلام إنما يصح لو كانت الملائكة أفضل منه .

المسألة الرابعة: ذكر من طاعاتهم أولًا كونهم يسبحون ، وقد عرفت أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى من كل سوء ، وذلك يرجع إلى المعارف والعلوم ، ثم لما ذكر التسبيح أردفه بذكر السجود ، وذلك يرجع إلى أعمال الجوارح ، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ، ويتفرع عليها أعمال الجوارح . وأيضًا قوله: { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } يفيد الحصر ومعناه: أنهم لا يسجدون لغير الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت