فهرس الكتاب

الصفحة 7603 من 8321

قوله تعالى: { لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رسالات رَبّهِمْ } فيه مسائل:

المسألة الأولى: وحَّد الرسول في قوله: { إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } [ الجن: 27 ] ثم جمع في قوله: { أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رسالات رَبّهِمْ } ونظيره ما تقدم من قوله: { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين } [ الجن: 23 ] .

المسألة الثانية: احتج من قال بحدوث علم الله تعالى بهذه الآية لأن معنى الآية ليعلم الله أن قد أبلغوا الرسالة ، ونظيره قوله تعالى: { حتى نَعْلَمَ المجاهدين } [ محمد: 31 ] والجواب من وجهين الأول: قال قتادة ومقاتل: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة ، وعلى هذا ، اللام في قوله: { لِيَعْلَمَ } متعلق بمحذوف يدل عليه الكلام كأنه قيل: أخبرناه بحفظ الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ الحق ، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الرسول أن قد أبلغوا أي جبريل والملائكة الذين يبعثون إلى الرسل رسالات ربهم ، فلا يشك فيها ويعلم أنها حق من الله الثاني: وهو اختيار أكثر المحققين أن المعنى ليعلم الله أن قد أبلغ الأنبياء رسالات ربهم ، والعلم ههنا مثله في قوله: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } [ آل عمران: 142 ] والمعنى ليبلغوا رسالات ربهم فيعلم ذلك منهم .

المسألة الثالثة: قرىء { لِيَعْلَمَ } على البناء للمفعول .

أما قوله: { وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } فهو يدل على كونه تعالى عالمًا بالجزئيات ، وأما قوله: { وأحصى كُلَّ شَىْء عَدَدًا } فهو يدل على كونه عالمًا بجميع الموجودات ، فإن قيل: إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي ، وقوله: { كُلّ شَىْء } يدل على كونه غير متناه ، فلزم وقوع التناقض في الآية ، قلنا: لا شك أن إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي ، فأما لفظة { كُلّ شَىْء } فإنها لا تدل على كونه غير متناه ، لأن الشيء عندنا هو الموجودات ، والموجودات متناهية في العدد ، وهذه الآية أحد ما يحتج به على أن المعدوم ليس بشيء ، وذلك لأن المعدوم لو كان شيئًا ، لكانت الأشياء غير متناهية ، وقوله: { وأحصى كُلَّ شَىْء عَدَدًا } يقتضي كون تلك المحصيات متناهية ، فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية وذلك محال ، فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشيء حتى يندفع هذا التناقض .

والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين ، وخاتم النبيين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت