قال مسروق: لما نزل قوله { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } [ النساء: 123 ] قال أهل الكتاب للمسلمين: نحن وأنتم سواء ، فنزلت هذه الآية إلى قوله { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم { يَدْخُلُونَ الجنة } بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله ، وكذلك في سورة مريم وفي حم المؤمن ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء في هذه السورة جميعًا على أن الدخول مضاف إليهم ، وكلاهما حسن ، والأول أحسن لأنه أفخم ، ويدل على مثيب أدخلهم الجنة ويوافق { وَلاَ يُظْلَمُونَ } وأما القراءة الثانية فهي مطابقة لقوله تعالى: { ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم } [ الزخرف: 70 ] ولقوله { ادخلوها بِسَلامٍ } [ الحجر: 46 ] [ ق: 34 ] ، والله أعلم .
المسألة الثانية: قالوا: الفرق بين { مِنْ } الأولى والثانية أن الأولى للتبعيض ، والمراد من يعمل بعض الصالحات لأن أحدًا لا يقدر على أن يعمل جميع الصالحات ، بل المراد أنه إذا عمل بعضها حال كونه مؤمنًا استحق الثواب .
وأعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن صاحب الكبيرة لا يبقى مخلدًا في النار ، بل ينقل إلى الجنة ، وذلك لأنا بينا أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإذا ثبت هذا فنقول: إن صاحب الكبيرة إذا كان قد صلّى وصام وحج وزكى وجب بحكم هذه الآية أن يدخل الجنة ، ولزم بحكم الآيات الدالة على وعيد الفساق أن يدخل النار ، فأما أن يدخل الجنة ثم ينقل إلى النار فذلك باطل بالإجماع ، أو يدخل النار ثم ينقل إلى الجنة فذلك هو الحق الذي لا محيد عنه ، والله أعلم .
المسألة الثالثة: النقير: نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة ، والمعنى أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة .
فإن قيل: كيف خص الله الصالحين بأنهم لا يظلمون مع أن غيرهم كذلك كما قال { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت: 46 ] وقال { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمًا للعالمين } [ آل عمران: 108 ] .
والجواب من وجهين: الأول: أن يكون الراجع في قوله { وَلاَ يُظْلَمُونَ } عائدًا إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعًا ، والثاني: أن كل ما لا ينقص عن الثواب كان بأن لا يزيد في العقاب أولى هذا هو الحكم فيما بين الخلق ، فذكر الله تعالى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق .